أخبار

الطهي النظيف في أفريقيا.. أسعار غاز النفط المسال تعيد الأسر إلى الحطب والفحم

اقرأ في هذا المقال

  • ما يقرب من ملياري شخص يفتقرون إلى إمكان الوصول لوسائل الطهي النظيف
  • غاز النفط المسال هو المصدر الأكثر استعمالا للطاقة في الطهي على مستوى العالم
  • يمكن لأفريقيا أن تسدّ فجوة الوصول إلى الطهي النظيف بالكامل بحلول عام 2040
  • أطلقت 32 دولة -أو أعلنت- إستراتيجيات وطنية للطهي النظيف منذ عام 2024

تتأثر جهود الوصول إلى الطهي النظيف في أفريقيا بأزمة غاز النفط المسال العالمية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز وتصاعد الأعمال القتالية جراء حرب إيران، وأدى ذلك إلى انخفاض الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود.

وتُشير بيانات جديدة صادرة عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تسير على الطريق الصحيح لتحقيق أفضل عام لها حتى الآن في توسيع نطاق الوصول إلى الطهي النظيف، مع تسارع وتيرة الاستثمار وإصلاح السياسات والتمويل المرتبط بقمة وكالة الطاقة الدولية ذات الصلة.

رغم ذلك، فإن أزمة غاز النفط المسال العالمية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز تختبر مدى استدامة هذا التقدم، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وتقترب دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من تحقيق رقم قياسي في الوصول إلى الطهي النظيف، وفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية حول التقدم المُحرَز في مجال الطهي النظيف في أفريقيا 2026، حتى في الوقت الذي تُهدد فيه أزمة الطاقة العالمية بإبطاء المكاسب التي حققتها القارة بشقّ الأنفس.

الوصول إلى الطهي النظيف في أفريقيا

يُشير التقرير، الذي نُشر قبل انعقاد القمة الثانية لوكالة الطاقة الدولية حول الطهي النظيف في أفريقيا، إلى أن ما يقرب من 15 مليون شخص في جميع أنحاء المنطقة قد يكونون قد تمكّنوا من الوصول إلى الطهي النظيف في عام 2025 وحده، وفقًا لتقرير نشرته مجلة “إي إس آي أفريكا”.

ويمثّل هذا تسارعًا ملحوظًا مقارنةً بـ12 مليون شخص حصلوا على هذه الخدمات في عام 2024.

وهذا يعني أن التقدم المُحرَز العام الماضي يزيد بنحو 35% عن متوسط ​​السنوات الـ5 السابقة، مدفوعًا بشكل رئيس بزيادة ملحوظة في غرب أفريقيا.

وما يزال ما يقرب من ملياري شخص يستعملون الحطب والفحم وأنواع الوقود الأخرى التي تُنتج دخانًا ضارًا للطهي، ما يُؤدي إلى آثار وخيمة في الصحة والتنمية والبيئة.

الطهي باستعمال الحطب – الصورة من صحيفة الغارديان النيجيرية

الطهي النظيف في أفريقيا 2026

على الصعيد العالمي، ما يزال ما يقرب من ملياري شخص يفتقرون إلى إمكان الوصول إلى وسائل الطهي النظيف، ويعيش نصفهم في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ويتسبب تلوث الهواء المنزلي الناتج عن الوقود الملوث في وفاة ما يُقدَّر بنحو 2.5 مليون شخص قبل الأوان سنويًا في جميع أنحاء العالم، حيث تمثّل دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 840 ألف حالة وفاة من هذه الوفيات.

وتتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر، إذ يقضون في المتوسط ​​4 ساعات يوميًا في جمع الوقود والطهي على مواقد غير فعّالة، ويُقتطع هذا الوقت من الدراسة والعمل والمشاركة في الحياة العامة.

وينتج عن الطهي التقليدي باستعمال الكتلة الحيوية نحو 1.2 غيغا طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المكافئة سنويًا، وهو ما يعادل الانبعاثات المُجمّعة لقطاعَي الطيران والشحن الدوليين.

الطهي النظيف في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى

بحلول عام 2024، بلغت نسبة سكان دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الذين يحصلون على وسائل طهي نظيف 23%، بزيادة قدرها 0.8 نقطة مئوية على العام السابق، و3 أضعاف النسبة المسجلة في عام 2010.

وسجلت 17 دولة تقدمًا أسرع من العام الذي سبقه، وتشير البيانات الأولية المتعلقة بواردات المواقد والوقود إلى استمرار هذا الزخم حتى عام 2025.

واستحوذت نيجيريا وكينيا وساحل العاج وغانا وتنزانيا على ما يقرب من 3 أرباع إجمالي المكاسب المسجلة في جميع أنحاء المنطقة خلال السنوات الـ5 الماضية، حيث وسّعت كل منها نطاق الوصول بنسبة تتراوح بين 8 و13% سنويًا .

ويعتمد نحو 3.4 مليار شخص في الاقتصادات الناشئة والنامية على غاز النفط المسال وقودًا أساسًا للطهي، ما يجعله المصدر الأكثر استعمالًا  للطاقة في الطهي على مستوى العالم.

وما يزال غاز النفط المسال  الوقود المفضل، إذ يُمثّل أكثر من 70% من المستفيدين منه، ويُشكّل الغالبية العظمى من حالات الوصول الجديدة، مدعومًا بنمو البنية التحتية للاستيراد البحري في نيجيريا، وزيادة قدرة التكرير المحلية، بما في ذلك مصفاة دانغوتي التي تبلغ قدرتها 650 ألف برميل يوميًا.

من ناحية ثانية، يُعدّ الطهي الكهربائي ثاني أكثر الحلول استعمالًا، ويتركز بشكل كبير في جنوب أفريقيا، في حين قفزت واردات مواقد الطهي الكهربائية إلى المنطقة بنحو 60% بين عامي 2020 و2024، بحسب تقرير طالعته منصة الطاقة المتخصصة.

رغم ذلك، ما يزال النمو السكاني يفوق وتيرة نشر حلول الطهي النظيف في ثلثي دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وارتفع عدد الأشخاص الذين لا يحصلون على هذه الخدمة بنحو 14 مليون نسمة في عام 2024، ليصل إلى ما يقارب مليار نسمة.

وتُقدّر وكالة الطاقة الدولية أنه إذا حققت أفريقيا أفضل معدل تقدّم تاريخي تمّ تحقيقه في أيّ مكان في العالم -وهو المعدل الذي شهدته الهند وإندونيسيا على مدى الأعوام الـ15 الماضية–، فإنه يمكن للقارة أن تسدّ فجوة الوصول إلى الطهي النظيف بالكامل بحلول عام 2040، بتكلفة تبلغ نحو مليارَي دولار فقط سنويًا.

ناقلة غاز نفط مسال
سفينة تحمل غاز نفط مسال في مضيق هرمز – الصورة من ذا شيبينغ واتش

صدمة مضيق هرمز

أدى تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز -الذي يمرّ عبره عادةً نحو 30% من تجارة غاز النفط المسال المنقولة بحرًا  في العالم- إلى ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أشدّ اضطراب في إمدادات غاز النفط المسال على الإطلاق.

وتجاوز ذلك صدمات أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي. ويعتمد نحو 3.4 مليار شخص في الاقتصادات الناشئة والنامية على غاز النفط المسال وقودًا أساسًا للطهي، ما يجعله المصدر الأكثر استعمالًا  للطاقة في الطهي على مستوى العالم.

في مارس/آذار 2026، انخفضت صادرات غاز النفط المسال عبر مضيق هرمز بنحو 80%، من 1.5 مليون برميل يوميًا  في عام 2025 إلى 0.3 مليون برميل يوميًا فقط.

وتحمّلت الدول النامية في آسيا، التي تضم أعلى مستويات الاعتماد على غاز النفط المسال -بما في ذلك الهند (80% من الأسر) وإندونيسيا (90%)- العبء الأكبر من النقص الحادّ في الإمدادات، ما استدعى اتخاذ تدابير طارئة، شملت تقنين الاستهلاك، وتسريع إنتاج المصافي، وتقديم حوافز للتحول إلى أنواع وقود أخرى.

وظلّت الإمدادات متوفرة إلى حدّ كبير في أفريقيا، إلّا أن الارتفاع الحادّ في الأسعار جعل غاز النفط المسال بعيد المنال عن العديد من الأسر.

ونجت دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من أسوأ آثار النقص في الإمدادات بفضل اعتمادها المحدود على إمدادات دول الخليج، إذ لم تتجاوز نسبة واردات المنطقة من غاز النفط المسال من منتجي الشرق الأوسط 5% في عام 2025، في حين بلغت نسبة الواردات من الولايات المتحدة نحو 80%.

وظلّت أحجام واردات غاز النفط المسال  إلى المنطقة مستقرة عمومًا خلال الأشهر الـ3 الأولى من الأزمة، إلّا أن أسعار الواردات في شرق أفريقيا وغربها ارتفعت بنسبة تتراوح بين 70 و100% فوق متوسطها في عام 2025، وزاد من حدّة هذا الارتفاع ارتفاع تكاليف وقود النقل التي أثّرت بشدة في الدول غير الساحلية.

ومع انخفاض مخزونات غاز النفط المسال -إذ لا تملك سوى 11 دولة أفريقية مخزونًا يكفي لأكثر من 30 يومًا-، دفعت صدمة القدرة على تحمّل التكاليف العديدَ من الأسر إلى العودة لاستعمال الفحم والحطب.

ورصدت وكالة الطاقة الدولية 23 إجراءً سياسيًا متعلقًا بالأزمة طُبِّقَت في مختلف أنحاء آسيا وأفريقيا النامية منذ مارس/آذار 2026، ويهدف أكثر من نصفها إلى تعزيز مرونة الإمدادات من خلال الاحتياطيات الإستراتيجية وقوانين الطوارئ.

يضاف إلى ذلك تخفيف ضريبة القيمة المضافة وحوافز التحول إلى أنواع وقود أخرى في دول مثل تنزانيا.

إطلاق مخزونات الطوارئ

أطلقت وكالة الطاقة الدولية نفسها أكبر عملية إطلاق لمخزونات الطوارئ النفطية من قبل الدول الأعضاء فيها في 11 مارس/آذار الماضي، وأصدرت تقريرها بعنوان “الحماية من صدمات النفط”، الذي يسلّط الضوء على خيارات أمام الحكومات لحماية القدرة على تحمُّل تكاليف وقود الطهي.

وصُرِفَت 737 مليون دولار من أصل 2.2 مليار دولار جرى التعهد بها في قمة باريس لعام 2024، مع تقدُّم الممولين من القطاعين العام والخاص بالوتيرة اللازمة للتسليم بالكامل بحلول عام 2030.

وبلغ الاستثمار بمعدات الطهي النظيف والبنية التحتية في دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا نحو 770 مليون دولار في عام 2024، ارتفاعًا من 590 مليون دولار في عام 2020، مع ذهاب ما يقرب من 60% إلى معدّات الاستعمال النهائي مثل المواقد والأسطوانات والباقي إلى البنية التحتية.

بالمثل، يشكّل رأس المال التجاري والإنفاق الاستهلاكي المباشر معًا نحو 70% من هذا التمويل، في حين تشكل إيرادات ائتمان الكربون، وبنوك التنمية المتعددة الأطراف والمساعدات الثنائية الباقي.

وشهدت القمة الافتتاحية لوكالة الطاقة الدولية بشأن الطهي النظيف في أفريقيا -التي عُقِدت في باريس في مايو/أيار 2024- تعهُّد الحكومات والشركات بمبلغ 2.2 مليار دولار من التمويل العام والخاص. وبدءًا من يونيو/حزيران 2026، رصدت وكالة الطاقة الدولية مدفوعات بقيمة 737 مليون دولار مقابل تلك التعهدات – 16% من الحكومات و84% من القطاع الخاص.

وعبّأت مؤسسات القطاع العام 43% من إجمالي التزاماتها، والقطاع الخاص 32%، وكلاهما يتقدمان بالوتيرة اللازمة لتحقيق الصرف الكامل بحلول عام 2030.

وكانت كينيا أكبر مستفيد من الاستثمارات المرتبطة بالقمة، حيث حصلت على 19% من إجمالي المدفوعات، تلتها أوغندا وتنزانيا وجنوب أفريقيا بنسبة 7% لكل منها.

وذهب ثلثا الأموال مباشرة إلى معدّات الاستعمال النهائي (المواقد، والأسطوانات، وأجهزة التحلل الحيوي)، في حين استوعبت المشروعات المرتبطة بغاز النفط المسال ما يقرب من نصف إجمالي المدفوعات، مع توزيع الباقي على الكتلة الحيوية، والطهي الكهربائي، والغاز الحيوي، والدعم الشامل لتنمية السوق.

بدورها، أوفت أيرلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب شركة الطاقة العملاقة شل (Shell)، بتعهداتها التي قطعتها خلال القمة بالكامل.

موقد يعمل بوقود الطهي النظيف في أفريقيا
موقد يعمل بوقود نظيف – الصورة من إيه إي سي أف

زخم السياسات يتجاوز التنفيذ

تمّ تطبيق أو إعلان أكثر من 120 سياسة وبرنامجًا جديدًا للطهي النظيف في جميع أنحاء أفريقيا منذ عام 2024.

وارتفعت نسبة السكان غير المخدومين في المنطقة، الذين يعيشون في بلد شهد إجراءات سياسية جديدة في عام معين، من متوسط ​​26% فقط بين عامي 2020 و2023، إلى 46% في عام 2024، ثم إلى 84% في عام 2025.

وأطلقت 32 دولة أو أعلنت عن إستراتيجيات وطنية للطهي النظيف منذ عام 2024، ونشرت 31 دولة أهدافًا رسمية للوصول إلى هذه الخدمات أو حدّثتها، لتغطي الآن أكثر من 85% من سكان المنطقة غير المشمولين بها.

وأدرجت جميع الدول الأفريقية الـ29 التي قدّمت ميثاقًا وطنيًا للطاقة في إطار مبادرة “مهمة 300” عام 2025 التزاماتٍ تتعلق بالطهي النظيف.

وأدرجت 23 دولة من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الطهي النظيف ضمن إسهاماتها المحددة وطنيًا المُحدَّثة، بزيادةٍ من 62% من الدول المُقدِّمة للبيانات في الجولة السابقة إلى نحو 80% هذه المرة.

ومن المُشجِّع أن وكالة الطاقة الدولية تُشير إلى تحوّلٍ عن الأهداف غير الواقعية والطموحة على غرار الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، التي وُضعت قبل سنوات، نحو التزاماتٍ أكثر واقعيةً وقائمة على خطة تفصيلية.

حتى إن كان ذلك يعني خفض 12 دولة لطموحاتها المُعلنة إلى مستوياتٍ أكثر قابليةً للتحقيق، مقابل 5 دول فقط رفعت طموحاتها.

وتتسارع وتيرة الإصلاحات المالية والضريبية، حيث قامت 16 دولة بتقديم -أو إعلان- تدابير ضريبية لتحسين القدرة على تحمُّل التكاليف بين عامَي 2024 والربع الأول من عام 2026،

ويأتي ذلك بدءًا من إعفاءات رسوم استيراد غاز النفط المسال في سيراليون، وصولًا إلى تخفيف ضريبة القيمة المضافة على وقود الطهي في تنزانيا.

في ظل رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة الـ20، أقرّت المجموعة خطة عمل استثمارية للبنية التحتية للطهي النظيف في ديسمبر/كانون الأول 2025 (أول إطار عمل مخصص من نوعه لمجموعة الـ20).

وأبرزت كل من قمة المناخ كوب 29 وقمة المناخ كوب 30 موضوع الطهي النظيف بوضوح في خطط الطاقة لديهما.

وتحرص وكالة الطاقة الدولية على تصوير أزمة مضيق هرمز بأنها خطر حقيقي، وإن كان محصورًا  حتى الآن، وليس عرقلة لمسار أفريقيا.

وقد أسهم اعتماد أفريقيا المحدود على إمدادات غاز النفط المسال من الخليج، ونمو قدرة التكرير المحلية، وتنوّع مصادر الاستيراد متزايد المرونة عبر الولايات المتحدة والأرجنتين، في تخفيف حدّة الأزمة في المنطقة مقارنةً بآسيا.

ويوضح التقرير أن مواطن الضعف الأساسية – كقلة احتياطيات التخزين، وأسواق النفط الخاضعة لتنظيم الأسعار التي تُعرّض الحكومات لضغوط مالية، والاعتماد الكبير على نوع واحد من الوقود المستورد – ما تزال قائمة.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

اترك تعليقاً

إغلاق