أخبار
خبير: كفاءة الطاقة تدعم تحول المؤسسات العربية نحو الحياد الكربوني

تمثّل كفاءة الطاقة نقطة الانطلاق أمام المؤسسات العربية للانتقال من خفض استهلاك الكهرباء إلى إدارة الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني، وصولًا إلى تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وفي هذا الإطار، وضع مدير الاستدامة والطاقة بمجموعة النساجون الشرقيون المصرية، المهندس أشرف العوّاد، خريطة طريق عملية للمؤسسات تبدأ بقياس استهلاك الطاقة ووضع خط أساس دقيق، ولا تتوقف عند خفض الاستهلاك، بل تمتد إلى إدارة الكربون والتحول إلى الطاقة النظيفة.
وأوضح، خلال ندوة بعنوان “من كفاءة الطاقة إلى الحياد الكربوني: خارطة طريق عملية للمؤسسات العربية لتحقيق أهداف الاستدامة والعمل المناخي”، أن مفهوم الاستدامة تطور بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، وانتقل من مجرد الالتزام بالاشتراطات البيئية إلى كفاءة الطاقة وتحقيق المرونة المناخية.
وتأتي الندوة الافتراضية، التي تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)، ضمن فعاليات المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، الهادفة إلى تسليط الضوء على دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة في دعم التحول الاقتصادي والبيئي.
كما تستهدف المبادرة رفع الوعي بالحلول المستدامة لمواجهة تغير المناخ، وتعزيز الاستفادة من التقنيات الحديثة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالتزامن مع الاستعدادات لقمّة المناخ (كوب 31).
من كفاءة الطاقة إلى إدارة الانبعاثات
قال المهندس أشرف العوّاد، إن الخطوة الأولى أمام أيّ مؤسسة هي معرفة استهلاكها الحالي من الطاقة بدقة، قبل تنفيذ أيّ إجراءات للترشيد، ووضع خط أساس (Baseline) يمكن القياس عليه.
وأوضح أنه إذا كان المصنع -على سبيل المثال- يستهلك 100 كيلوواط ساعة لكل طن من الإنتاج، فإن هذا الرقم يمثّل خط الأساس الذي تبدأ منه المؤسسة، ثم تنفّذ مبادرات الترشيد وتعيد القياس للتأكد من أثرها الحقيقي في خفض الاستهلاك.
وأضاف أن كفاءة الطاقة لا ينبغي أن تظل مسؤولية العامل أو المشرف فقط، بل يجب أن تتحول إلى منظومة متكاملة تشمل التشغيل والصيانة والمشتريات، مع الاستفادة من أنظمة إدارة الطاقة، مثل معيار “آيزو 50001 (ISO 50001) “، واختيار المعدات الأكثر كفاءة.
وأشار إلى أن المؤسسة بعد إثبات نتائج كفاءة الطاقة لا بد أن تنتقل إلى مرحلة قياس الانبعاثات الكربونية، من خلال إعداد حصر شامل وفق معايير معترَف بها، من بينها ميثاق غازات الدفيئة (GHG Protocol).
نطاقات الانبعاثات
أوضح العوّاد أن الانبعاثات تنقسم إلى 3 نطاقات رئيسة، أولها النطاق الأول (Scope 1)، الذي يشمل الانبعاثات المباشرة الناتجة داخل المؤسسة، مثل حرق الوقود والمركبات والعمليات الصناعية والكيميائية.
أمّا النطاق الثاني (Scope 2)، فيتعلق بالانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بالطاقة التي تشتريها المؤسسة من الخارج، مثل الكهرباء أو البخار أو التبريد.
ويشمل النطاق الثالث (Scope 3) الانبعاثات المرتبطة بسلسلة القيمة، بداية من المواد الخام وعمليات نقلها، مرورًا بتصنيع المنتج ونقله إلى المستهلك، وصولًا إلى طريقة استعماله ونهاية عمره وإعادة تدويره أو التخلص منه.
وأكد أن النطاق الثالث يمثّل أهمية كبيرة للمؤسسات الصناعية، مما يتطلب إشراك إدارات المشتريات والإمداد في إدارة الانبعاثات، لأن قرارات اختيار المواد والمعدات والموردين تؤثّر في البصمة الكربونية للمؤسسة.
خطط خفض الانبعاثات
قال خبير الاستدامة والطاقة المهندس أشرف العوّاد، إن المؤسسة بعد تحديد خط أساس الطاقة والانبعاثات تبدأ في تنفيذ مشروعات الخفض، وفق تسلسل يبدأ بالتجنب، ثم تحسين الكفاءة، والإحلال، وإزالة الكربون، وأخيرًا التعويض عن الانبعاثات المتبقية.
وأوضح أن التجنّب يعني الاستغناء عن أي نشاط أو استهلاك غير ضروري من دون التأثير في العملية الإنتاجية، بينما يشمل تحسين الكفاءة إعادة تصميم العمليات وتطوير التشغيل وتقليل الهدر.
وأضاف أن الإحلال يعني تغيير مصدر الطاقة أو المواد المستعملة، مثل استبدال الكهرباء التقليدية بمصادر الطاقة المتجددة، في حين تأتي إزالة الكربون من خلال حلول طبيعية أو تقنية.
وأشار إلى أن هذا التسلسل يمكن تمثيله في صورة هرم لخفض الانبعاثات، إذ تبدأ المؤسسة بالحل الأقل تكلفة، وهو تجنّب الاستهلاك والانبعاثات غير الضرورية، ثم تنتقل تدريجيًا إلى حلول تحتاج إلى استثمارات أكبر.
التحول إلى الطاقة النظيفة
أوضح المهندس أشرف العوّاد أن التحول إلى الطاقة النظيفة يمكن أن يجري من خلال عدّة مسارات، من بينها إنشاء محطات للطاقة الشمسية داخل موقع المؤسسة، أو تخزين الطاقة، أو شراء الكهرباء من مصادر متجددة.
وأضاف أن المؤسسة يمكنها كذلك الاستفادة من شهادات الطاقة المتجددة، إلى جانب الحلول القائمة على الطبيعة، مثل زراعة الأشجار والمشروعات التي تساعد في امتصاص الكربون.
وأشار إلى وجود حلول تقنية، من بينها احتجاز الكربون وتخزينه واستعماله، يمكنها التعامل مع الانبعاثات التي يصعب خفضها من خلال كفاءة الطاقة أو التحول إلى المصادر النظيفة.
تحقيق الحياد الكربوني
قال العوّاد، إن المؤسسة عندما تصل إلى الانبعاثات التي يصعب خفضها، يمكنها اللجوء إلى إزالة الكربون أو التعويض عن الانبعاثات المتبقية من خلال أدوات مثل شهادات الكربون وشهادات الطاقة المتجددة.
وأكد أن التعويض يجب أن يأتي في نهاية رحلة خفض الانبعاثات، بعد استنفاد إجراءات التجنب وتحسين الكفاءة والإحلال وإزالة الكربون.
وأشار إلى أن الرقمنة تمثّل عنصرًا أساسيًا في إدارة الاستدامة، من خلال قياس البيانات المرتبطة بالطاقة والانبعاثات، ودمج مصادر البيانات وتحليلها وإنتاج معلومات موثوقة يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات.
وأوضح أن البيانات الموثقة تتيح كذلك خضوع الأرقام للتحقق والمراجعة من جانب جهات خارجية مستقلة، مؤكدًا أن الحوكمة لا تعني إنشاء قسم للاستدامة يعمل بمعزل عن باقي المؤسسة، بل تتطلب تعاونًا بين إدارات الطاقة والتشغيل والصيانة والمشتريات والإمداد والإدارة العليا.
فرص المؤسسات العربية
دعا المهندس أشرف العوّاد مجالس إدارات المؤسسات إلى طرح عدد من الأسئلة الأساسية، من بينها: ما حجم البصمة الكربونية للمؤسسة حاليًا؟ وما تكلفة الانبعاثات؟ وما المشروعات التي يجب تنفيذها خلال الأشهر الـ3 المقبلة والعام المقبل؟ وما الميزانية المطلوبة لتنفيذها؟
وتساعد الإجابة عن هذه الأسئلة -وفقًا للعوّاد- المؤسسة في تجاوز التعامل مع الاستدامة بوصفها ملفًا منفصلًا، والانتقال إلى إدماجها في صميم عملية صنع القرار، بحيث تصبح الاعتبارات البيئية والاقتصادية جزءًا أساسيًا من القرارات والتوجهات الإستراتيجية.
وأضاف أن المؤسسات العربية تواجه تحديات في التحول إلى الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات، إلّا أن الفرص المتاحة كبيرة، لا سيما مع تنامي الاهتمام العالمي بالإنتاج منخفض الانبعاثات.
وأضاف أن زيادة قدرة المؤسسات على قياس الانبعاثات وخفضها يمكن أن تدعم فرصها في الوصول إلى الأسواق العالمية وزيادة قدرتها على التصدير.

وأكّد المهندس أشرف العوّاد أن الانتقال من كفاءة الطاقة إلى المرونة المناخية يقوم على 8 خطوات مترابطة تبدأ ببناء خط أساس للطاقة، ثم إدارة الطاقة، وقياس الكربون، وخفض الانبعاثات، والتحول إلى الطاقة النظيفة، وإزالة الكربون، ثم الحوكمة والقياس والإفصاح الموثوق.
وأوضح أن الهدف النهائي هو تحويل هذه الخطوات من مشروعات منفصلة إلى منظومة متكاملة داخل المؤسسة، تتيح إدارة الطاقة والانبعاثات والموارد والمخاطر المناخية بصورة أكثر شمولًا، وتعزز قدرة المؤسسات على التكيف مع تغير المناخ وتحقيق أهداف الاستدامة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..