أخبار

قطاع النفط والغاز في إيران.. ماذا ينتظر من الاتفاق النووي المرتقب؟ (مقال)

اقرأ في هذا المقال

  • إحياء أو تعديل الاتفاق النووي قد يُسهم في دعم قطاع الطاقة الإيراني
  • إيران أثبتت قدرتها على ضمان استمرار تدفّق النفط في ظل العقوبات
  • إيران تحتاج إلى ضخ الغاز للحفاظ على الضغط في حقول النفط المتقادمة
  • إنتاج النفط قد يبقى قريبًا من مستوياته الحالية لمدة، لكن النمو سيكون محدودًا

يُعلّق قطاع النفط والغاز في إيران آمالًا عريضة على الاتفاق النووي المرتقب، وتمتلك البلاد بعض أكبر احتياطيات الهيدروكربونات في العالم، إذ يبلغ احتياطيها المؤكد من النفط ما يقارب 208-209 مليار برميل، ونحو 34 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي.

نظريًا، كان من المفترض أن تجعل هذه الموارد إيران واحدة من أكثر القوى المؤثّرة في مجال الطاقة على مستوى العالم، وعمليًا، أدت عقود من العقوبات، ونقص الاستثمار المزمن، وتقادم البنية التحتية، والعزلة التقنية، وسوء الإدارة الداخلية، إلى إبقاء القطاع دون مستوى إمكاناته.

وفي المدة 2025-2026، ظل إنتاج إيران من النفط الخام يتراوح بين 3.2 و3.3 مليون برميل يوميًا، في حين بلغ إجمالي إنتاج السوائل ما يقارب 4 ملايين برميل يوميًا.

وتستمر الصادرات، لكنها تعتمد بشكل كبير على المبيعات بأسعار مخفضة، وأساطيل النقل غير الرسمية، وعمليات النقل بين السفن، ومحدودية الوصول إلى مشترين موثوقين، خصوصًا الصين.

وعززت موارد النفط والغاز في إيران قدرة البلاد على الصمود أمام ضغوط العقوبات، لكنها لم تسمح لها بإعادة بناء قطاع الطاقة لديها.

ولم يعد السؤال المحوري هو ما إذا كانت إيران تمتلك موارد كافية، فمن الواضح أن هذا صحيح.

ويتمثل السؤال الحقيقي فيما إذا كان بإمكان إيران استعادة قدرتها الإنتاجية، وتحديث قطاع الغاز، واستقرار نظام الكهرباء، وجذب رؤوس الأموال دون انتظار انفراجة دبلوماسية كبيرة قد لا تتحقق.

حدود انتظار الاتفاق النووي

قد يُسهم إحياء أو تعديل الاتفاق النووي في دعم قطاع الطاقة الإيراني، إذ يُمكنه تخفيف العقوبات، وتحسين فرص الحصول على التمويل، والسماح بنقل التقنية، وإتاحة المجال أمام الشركات الأجنبية للعودة إلى السوق.

في مثل هذا السيناريو، يُمكن لإيران زيادة إنتاج النفط، وتسريع تطوير الغاز، وتحديث مصافي التكرير، وتخفيف بعض الضغوط على قطاع الكهرباء.

في المقابل، فإن هذا السيناريو يبقى غير مؤكد، وحتى في حال استئناف المفاوضات، ستظل الشركات الدولية حذرة.

إن ذكريات إعادة فرض العقوبات السابقة، والمخاطر السياسية في واشنطن، والتوترات الإقليمية، والقيود المصرفية، والمخاوف المتعلقة بالسمعة، كلّها عوامل ستحدّ من الحماسة.

من ناحيتها، لا تخصص شركات الطاقة الكبرى مليارات الدولارات لمشروعات طويلة الأجل في ظل إمكان تغير البيئة القانونية والسياسية بين عشية وضحاها.

لهذا السبب، لا يُمكن لإيران بناء إستراتيجيتها في مجال الطاقة على أمل أن يُحَلّ اتفاق واحد المشكلات الجوهرية.

وقد يُتيح الاتفاق فرصًا، لكنه لن يُصلح تلقائيًا حقول النفط المتقادمة، أو يُوسّع إنتاج الغاز، أو يُقلل فاقد الكهرباء، أو يُحدث محطات توليد الكهرباء.

وتتطلب هذه المشكلات إصلاحات داخلية، وانضباطًا استثماريًا، وتخطيطًا واقعيًا.

معرض الإنجازات النووية الإيرانية في العاصمة طهران – الصورة من أسوشيتد برس

إنتاج النفط: البقاء ليس تعافيًا

أثبتت إيران قدرتها على ضمان استمرار تدفُّق النفط في ظل العقوبات.

وعلى الرغم من أن هذا الأمر ينطوي على أهمية سياسية، لا ينبغي الخلط بينه وبين التعافي، فالحفاظ على الإنتاج عبر شبكات التصدير غير الرسمية، والأسعار المخفضة، ومحدودية المشترين، لا يُسهم في بناء مستقبل طاقة مستدام.

ويُعدّ العديد من حقول النفط الإيرانية ناضجًا وتتطلب أساليب استخراج مُحسّنة، وإدارة أفضل للمكامن، ومعدّات حفر حديثة، واستثمارات ضخمة.

ومن دون هذه العوامل، قد يظل الإنتاج مستقرًا لمدة، لكن يصبح من الصعب تجنُّب التراجع على المدى الطويل. وتحتاج إيران إلى ضخ الغاز للحفاظ على الضغط في حقول النفط المتقادمة، إلّا أن نقص الغاز يُقيّد هذا الخيار بشكل متزايد.

وإذا خُففت العقوبات وعادت الاستثمارات، فبإمكان إيران زيادة الإنتاج تدريجيًا.

أمّا إذا لم يُتوصَّل إلى اتفاق، فمن المرجّح أن يبقى قطاع النفط في وضع دفاعي.

وقد تحافظ طهران على مستويات الإنتاج الحالية من خلال تدابير قصيرة الأجل، لكنها ستواجه صعوبة في زيادة القدرة الإنتاجية بشكل مستدام.

وستبقى الصادرات عرضة لضغوط الإنفاذ، وستظل تكاليف الشحن مرتفعة، وستستمر الخصومات في خفض الإيرادات.

بعبارة أخرى، قد تستمر إيران في بيع النفط، لكنها لن تستعيد دورها بصفتها موردًا رئيسًا ومرنًا في الأسواق العالمية بشكل كامل.

الغاز الطبيعي: العائق الأكبر

يُعدّ قطاع الغاز في إيران أكثر هشاشةً من قطاع النفط، وتمتلك البلاد احتياطيات هائلة، لكنّ هذه الاحتياطيات وحدها لا تضمن أمن الطاقة.

وتواجه إيران ارتفاعًا في الطلب المحلي، وتراجعًا في ضغط الحقول الرئيسة، وتأخرًا في الاستثمارات، ومحدودية الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة.

ويُشكّل الغاز ركيزةً أساسيةً لنظام الطاقة الإيراني برمّته، فهو يُشغّل محطات توليد الكهرباء، ويدعم الأسر، ويُغذّي الصناعات البتروكيماوية، ويُمكّن الصادرات، ويُساعد في الحفاظ على ضغط حقول النفط.

وعندما يُصبح الغاز شحيحًا، تتفاقم التداعيات على الاقتصاد برمّته.

وإذا لم يتحقق أيّ انفراج دبلوماسي أو استثماري، ستتفاقم أزمة نقص الغاز في إيران.

ومن المرجّح أن تُعطي الدولة الأولوية للاستهلاك المنزلي، لا سيما في فصل الشتاء.

وهذا يعني كميات أقل من الغاز للصناعة والبتروكيماويات والصادرات وإعادة حقن حقول النفط.

وسيُضعف هذا الأداء الاقتصادي، ويُقلّل من قدرة قطاع النفط على الحفاظ على الإنتاج على المدى الطويل. والنتيجة هي حلقة مفرغة خطيرة: نقص الغاز يُضرّ بتوليد الكهرباء واستخراج النفط، بينما يعوق ضعف الاستثمار قطاع الغاز من التوسع بالسرعة الكافية لتلبية الطلب.

حقل غاز بارس الجنوبي الإيراني
حقل غاز بارس الجنوبي الإيراني – الصورة من أسوشيتد برس

قطاع الكهرباء: نقطة الضغط الأبرز

يُعدّ قطاع الكهرباء القطاع الذي سيشعر فيه المواطنون الإيرانيون العاديون بتأثير نقص الاستثمار في الطاقة بشكل مباشر.

ويواجه نظام الكهرباء الإيراني ارتفاعًا في الطلب، واستهلاكًا غير كفؤ، ومحطات توليد كهرباء قديمة، وفقدانًا في أثناء نقل الكهرباء، ونقصًا في الوقود. وتُسبّب هذه المشكلات، حاليًا، ضغوطًا موسمية: نقص في الغاز شتاءً ونقص في الكهرباء  صيفًا.

وفي حال التوصل إلى اتفاق، يُمكن لإيران تحسين الوصول إلى التوربينات، وتكنولوجيا الشبكات، والتمويل، ومعدّات الطاقة المتجددة، ويُمكنها تقليل الفاقد، وتحديث محطات توليد الكهرباء، وتوسيع نطاق الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحسين الكفاءة.

ولكن دون اتفاق، سيبقى قطاع الكهرباء عالقًا في إدارة الطوارئ.

في هذا السيناريو، ستعتمد إيران بشكل أكبر على التحوّل في أنواع الوقود، بما في ذلك حرق الوقود السائل عند انقطاع الغاز.

وسيؤدي ذلك إلى تفاقم التلوث، وتقليل حجم المنتجات المكررة المتاحة للتصدير، وزيادة مشكلات الصيانة في محطات توليد الكهرباء.

وسيواجه المستهلكون الصناعيون المزيد من التخفيضات في الإنتاج، وقد تشهد المنازل المزيد من انقطاعات التيار الكهربائي.

وستستجيب الحكومة بالتقنين، والواردات المؤقتة، والمناشدات العامة لترشيد الاستهلاك، لكن هذه الإجراءات لا تُغني عن الإصلاح الهيكلي.

ومن ثم سيصبح قطاع الكهرباء رمزًا لمعضلة الطاقة الأوسع نطاقًا في إيران: دولة غنية بالموارد غير قادرة على توفير كهرباء مستقرة وفعالة، لأن سياسات الإنتاج والبنية التحتية والتسعير والاستثمار ما تزال غير متوافقة.

ماذا سيحدث إذا لم يتحقق أيّ تقدُّم ملموس؟

إذا لم يتمّ التوصل إلى اتفاق مهم، فلن ينهار قطاع الطاقة الإيراني بين عشية وضحاها.

والنتيجة الأرجح هي انحدار مُدار، قد يبقى إنتاج النفط قريبًا من مستوياته الحالية لمدة، لكن النمو سيكون محدودًا.

وستصبح حالات نقص الغاز أكثر تواترًا وأشد ضررًا، وسيواجه قطاع الكهرباء عدم استقرار موسمي أعمق، وسيتحمّل المستهلكون الصناعيون جزءًا كبيرًا من العبء من خلال تقليص الإنتاج وعدم موثوقية الإمداد.

وسيؤدي هذا السيناريو إلى تقليل النفوذ الجيوسياسي لإيران.

ولا تعتمد الطاقة على الاحتياطيات، بل على القدرة على الإنتاج والتصدير والاستثمار والإمداد بشكل موثوق. وإذا لم تتمكن إيران من توسيع الإنتاج أو استقرار إمدادات الكهرباء، فستظل احتياطياتها الهائلة أصولًا غير مستغلة بدلًا من أن تكون قوة إستراتيجية.

ويمكن للبلاد الاستمرار في استعمال الشبكات غير الرسمية لتصدير النفط، لكن هذا لن يحلّ مشكلة الاستثمار، ويمكنها إعطاء الأولوية للأُسَر خلال فترات النقص، لكن هذا سيضرّ بالصناعة.

بالمثل، يمكنها حرق المزيد من الوقود السائل في محطات توليد الكهرباء، لكن هذا سيزيد التلوث ويقلل إيرادات التصدير.

ويمكنها إعلان مشروعات جديدة، لكن دون التمويل والتكنولوجيا، سيبقى الكثير منها غير مكتمل.

لهذا السبب يُعدّ انتظار التوصل إلى اتفاق أمرًا محفوفًا بالمخاطر، فعدم التوصل إلى اتفاق يعني أن إيران ستضطر إلى التعامل مع تدهور أبطأ وأكثر تكلفة وأكثر حساسية سياسيًا لأنظمة النفط والغاز والكهرباء لديها.

العمل وفقًا للواقع

تحتاج إيران إلى إستراتيجية لا تعتمد كلّيًا على الإنقاذ الدبلوماسي.

وهذا لا يعني أن تخفيف العقوبات غير مهم، بل هو في غاية الأهمية، لذلك يتعين على إيران العمل ضمن القيود القائمة.

أولًا، ينبغي لإيران إعطاء الأولوية للحفاظ على الإنتاج الحالي بدلًا من الإعلان عن أهداف توسع غير واقعية، وتحتاج حقول النفط الناضجة إلى إدارة أفضل، واستخراج أكثر كفاءة، واستثمارات مستدامة.

ثانيًا، يجب أن تصبح سياسة الغاز أكثر انضباطًا، وتحتاج إيران إلى تقليل الهدر، وتحسين الكفاءة، وإدارة الطلب، وتخصيص الغاز بشكل أكثر إستراتيجية بين المنازل والصناعة وتوليد الكهرباء والصادرات وإعادة حقن حقول النفط.

ثالثًا، يحتاج قطاع الكهرباء إلى تحديث عاجل، وسيساعد تقليل فاقد الشبكة، وتحديث محطات الكهرباء القديمة، وتحسين حوافز التسعير، وتوسيع نطاق مصادر الطاقة المتجددة في تخفيف الضغط على توليد الكهرباء بالغاز.

رابعًا، ينبغي لإيران السعي إلى إقامة شراكات واقعية مع الدول والشركات الراغبة في العمل ضمن القيود الحالية.

وقد لا تحلّ هذه الشراكات محل الاستثمار الغربي، لكنها يمكن أن تساعد في توفير المعدّات والهندسة والكفاءة وتحديثات انتقائية للبُنية التحتية.

أخيرًا، تُمثِّل الحوكمة الداخلية أهمية بالغة، وتُفسّر العقوبات جزءًا كبيرًا من أزمة الطاقة في إيران، لكنها لا تُفسّرها بالكامل.

وقد أسهم سوء الإدارة، وعدم كفاءة التسعير، وضعف التخطيط، وتأخُّر الاستثمار في الوضع الراهن.

ودون إصلاحات، لن يُحقق حتى تخفيف العقوبات سوى مكاسب محدودة.

مصفاة عبادان النفطية في محافظة خوزستان الإيرانية
مصفاة عبادان النفطية في محافظة خوزستان الإيرانية – الصورة من بلومبرغ

الخلاصة:

لا تكمن مشكلة الطاقة في إيران في نقص الموارد، بل في الفجوة بين الاحتياطيات والقدرة الإنتاجية المتاحة. وقد يُسهم انفراج دبلوماسي في تضييق هذه الفجوة، لكن إيران لا تملك ترف الانتظار.

وإذا لم يتمّ التوصل إلى اتفاق، سيظل إنتاج النفط محدودًا، وستتفاقم أزمة الغاز، وسيزداد قطاع الكهرباء اضطرابًا.

والخيار ليس بين تخفيف العقوبات والإصلاح الداخلي، فإيران بحاجة إلى كليهما.

ونظرًا لعدم وضوح مسألة تخفيف العقوبات، ينبغي أن تكون الأولوية العاجلة هي حماية القدرة الإنتاجية الحالية، والحدّ من الهدر، وتحقيق استقرار إمدادات الغاز، وتحديث قطاع الكهرباء قدر الإمكان.

وبإمكان إيران أن تبقى دولة غنية بالطاقة تحت الضغط، أو أن تبدأ إعادة البناء انطلاقًا من الواقع.

إن انتظار انفتاح سياسي مثالي قد لا يؤدي إلّا إلى ضمان أن تكون البنية التحتية اللازمة للاستفادة منه أضعف مما كانت عليه عندما يحين ذلك الانفتاح.

 

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب “دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001“.

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

 

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

اترك تعليقاً

إغلاق