أخبار
خبير: المدن الذكية في مصر بحاجة إلى منظومة متكاملة لإدارة البيانات

تشهد المدن الذكية توسعًا متسارعًا في مصر، بالتزامن مع إنشاء مدن الجيل الرابع وتوظيف التقنية الرقمية لتحسين الخدمات وإدارة الموارد، ودعم التنمية المستدامة ورفع كفاءة التشغيل.
وفي هذا السياق، تناولت ندوة بعنوان “تقييم منظومة المدن الذكية الجديدة.. دراسة حالة مصر”، تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)، واقع المدن الذكية ومتطلبات نجاحها، مع استعراض تجربة دبي والدروس التي يمكن لمصر الاستفادة منها.
وألقى الندوة الأستاذ المساعد بكلية الدراسات التنموية في الجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا الأميركية الدكتور محمد الباروجي، ضمن فعاليات المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، التي تستهدف تسليط الضوء على دور التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة في دعم التحول الاقتصادي والبيئي.
وأبرزت الندوة أن نجاح المدن الذكية لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بقدرتها على توظيف البيانات والأنظمة الرقمية بصورة متكاملة لتحسين الخدمات، إلى جانب توافر التشريعات والكوادر البشرية والبنية المؤسسية اللازمة لإدارة هذه المنظومة.
متطلبات المدن الذكية
أوضح الدكتور محمد الباروجي أن مفهوم المدينة الذكية يتجاوز مجرد تزويدها بالتقنيات الحديثة، موضحًا أن امتلاك الكاميرات وأجهزة الاستشعار وشبكات الإنترنت السريعة لا يكفي وحده، ما لم تُوظف هذه التقنيات والبيانات في تحسين الخدمات ورفع الكفاءة وتحقيق عائد اقتصادي واجتماعي وبيئي ملموس.
وأشار إلى أن الهدف الحقيقي يتمثل في تقديم خدمات أفضل، وإدارة أكثر كفاءة للموارد، ودعم اتخاذ القرار اعتمادًا على البيانات، بما ينعكس على جودة حياة المواطنين واستدامة المدن.
وأكد أن التحول يتطلب إعادة تصميم طريقة تشغيل المدينة وخدماتها وبنيتها التحتية وآليات الإدارة، إذ تصبح البيانات عنصرًا أساسيًا في فهم الواقع والتنبؤ بالتحديات والاستجابة لها.
وأوضح الباروجي الفارق بين الرقمنة والتحول الرقمي، مشيرًا إلى أن الرقمنة تقتصر على تحويل الإجراءات والمعلومات التقليدية إلى صيغة إلكترونية، في حين يمتد التحول الرقمي إلى إعادة تصميم الخدمة أو العملية نفسها، بالاعتماد على التقنية والبيانات لرفع كفاءتها وتحسين نتائجها.
وضرب مثالًا بتحويل طلب ورقي مكوّن من 5 خطوات إلى طلب إلكتروني بالمراحل الـ5 نفسها، موضحًا أن ذلك لا يمثل تحولًا رقميًا حقيقيًا، وإنما “رقمنة للبيروقراطية”.
وأكد أن المدينة الذكية تحتاج إلى إعادة التفكير في الخدمات والعمليات من أساسها، بما يجعلها أسرع وأكثر كفاءة ومرونة.
البنية التحتية الرقمية
حدد الباروجي مجموعة من المكونات الرئيسة التي تقوم عليها منظومة المدن الذكية، في مقدمتها البنية التحتية الرقمية، بما تشمله الألياف الضوئية والجيل الخامس ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
ويأتي بعد ذلك دور البيانات الضخمة والتحليلات الذكية، من خلال أجهزة الاستشعار والكاميرات والعدادات الذكية والذكاء الاصطناعي، لتحويل البيانات إلى معلومات وقرارات وتنبؤات.
وتشمل المنظومة كذلك الخدمات الحكومية الذكية والمتكاملة في قطاعات التعليم والصحة والمرور والطاقة والمياه والنقل وإدارة المخلفات.
وأشار إلى أهمية وجود إطار مؤسسي وتشريعي ينظم استعمال البيانات وحمايتها والخصوصية والأمن السيبراني والتنسيق بين الجهات.
أما العنصر الأهم، بحسب الباروجي، فهو العنصر البشري، سواء المواطن القادر على استعمال الخدمات الرقمية، أو الموظف المؤهل لإدارة المنظومة، أو رائد الأعمال.
وأوضح الباروجي أن القيمة الحقيقية للمدن الذكية تظهر بصورة واضحة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والبيئة، إذ تتيح الأنظمة الذكية تحسين إدارة النقل والمرور، وتقليل الاختناقات واستهلاك الوقود والانبعاثات، إلى جانب دعم النقل العام والمركبات الكهربائية.
وفي قطاع الطاقة، تسهم الشبكات والمباني الذكية -إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة وأنظمة التخزين- في رفع كفاءة الاستهلاك وتقليل الفاقد.
ويمتد هذا الدور إلى قطاع المياه، من خلال أجهزة الاستشعار والعدادات الذكية التي تساعد على اكتشاف التسربات ومراقبة الاستهلاك وتحسين إدارة الموارد، كما تتيح تقنيات إدارة المخلفات تتبع عمليات الجمع وتحسين مساراتها، وتقليل الرحلات غير الضرورية، فضلًا عن دعم الفرز وإعادة التدوير.
وأشار إلى أن أجهزة الاستشعار توفر كذلك مراقبة مستمرة لجودة الهواء والمياه ومستويات الضوضاء، بما يتيح رصد مصادر التلوث بصورة أسرع ودعم اتخاذ قرارات أكثر كفاءة للتعامل معها، وهو ما يعزز البعد البيئي للمدن الذكية.
توسيع نطاق الخدمات الرقمية
شدد الباروجي على أن نجاح المدن الذكية لا يقاس بحجم التقنية المستعملة، وإنما بقدرتها على خدمة المواطن وتحويل التقنيات والبيانات إلى قيمة ملموسة، ما يتطلب إتاحة الخدمات الرقمية لمختلف الفئات والمناطق، مع توفير قنوات للمشاركة المجتمعية والإبلاغ عن المشكلات.
ورصد الباروجي عددًا من التحديات أمام تطبيق المدن الذكية، في مقدمتها الفجوة الرقمية المرتبطة بإتاحة الإنترنت والأجهزة والمهارات، إلى جانب ارتفاع تكلفة البنية التحتية الرقمية ومخاطر الأمن السيبراني وحماية البيانات والخصوصية.
كما يمثل تفاوت سرعة تطور التقنية مع تحديث التشريعات تحديًا أمام مواكبة البيئة القانونية والمؤسسية لهذه التطورات، وفقًا للباروجي.
وأشار إلى أن تعدد الجهات المسؤولة عن قطاعات المدينة قد يؤدي إلى تشتت البيانات وضعف التنسيق، ما يجعل الحوكمة والتكامل المؤسسي عنصرين أساسيين لضمان إدارة البيانات والخدمات بصورة متكاملة وتحقيق أهداف المدن الذكية.
تجربة دبي
استعرض الباروجي تجربة دبي بوصفها نموذجًا يمكن لمصر الاستفادة منه، موضحًا أن أهمية التجربة لا ترتبط فقط بحجم التقنية المستعملة، وإنما بطريقة دمجها في إدارة المدينة.
وأشار إلى أن دبي تعاملت مع المدينة الذكية بوصفها منظومة متكاملة تشمل الحكومة والخدمات الرقمية والأمن والنقل والطاقة والمياه والتخطيط العمراني والبنية التحتية، إلى جانب الأبعاد الاجتماعية والبيئية وجودة الحياة.
ويرى أن أحد أهم دروس التجربة هو عدم التعامل مع التحول الرقمي بمثابة مجموعة من التطبيقات المنفصلة، وإنما عملية لإعادة تنظيم طريقة عمل الجهات الحكومية وتبادل البيانات بينها.
كما تناولت الندوة كذلك مفهوم “التوأم الرقمي”، الذي يمثل نسخة افتراضية من المدينة الحقيقية، تضم نماذج للمباني والطرق وشبكات البنية التحتية وغيرها من مكونات المدينة.
وأوضح الباروجي أن التوأم الرقمي يتيح محاكاة الواقع واختبار القرارات والحلول قبل تنفيذها فعليًا، مشيرًا إلى أن دبي تتجه إلى اختبار القرار على المدينة رقميًا قبل تطبيقه على أرض الواقع، بما يساعد على الانتقال من التعامل مع المشكلات بعد وقوعها إلى التنبؤ بها واختبار الحلول مسبقًا.
التكامل بين الجهات
أكد الباروجي أن البيانات والذكاء الاصطناعي يمثلان محركًا رئيسًا للمدن الذكية، إذ تساعد منصات البيانات الموحدة في التكامل بين الجهات وتحويل البيانات إلى أساس لاتخاذ القرار.
وأوضح أن القيمة الأكبر تظهر عندما تعمل البيانات والذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي ضمن منظومة واحدة، بما يسمح بتحليل البيانات في الوقت الفعلي وتحسين إدارة المرور والاستجابة للطوارئ ومراقبة الخدمات.
وأشار إلى أن التجربة تؤكد أن التقنية تحقق قيمتها عندما تكون جزءًا من منظومة متكاملة، وليس مجرد أدوات منفصلة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
ويرى الباروجي أن مصر قطعت خطوات مهمة في مجال المدن الذكية مع التوسع في المدن الجديدة ومدن الجيل الرابع، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الجاهزية التشريعية والمؤسسية.
وأوضح أن التحدي لم يعد في إنشاء مدن تعتمد على التقنية، وإنما في إدارتها بكفاءة من خلال البيانات والتكامل بين الجهات والخدمات.
ودعا إلى وضع إستراتيجية وطنية متكاملة للمدن الذكية، تواكب التطور التكنولوجي بتشريعات واضحة وحوكمة رقمية تضمن تكامل البيانات، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وبناء أنظمة رقمية تراعي الخصوصية والأمن السيبراني.

كما شدد على أهمية رفع المهارات الرقمية للمواطنين والموظفين، واعتماد مؤشرات أداء واضحة لقياس كفاءة الخدمات واستهلاك الموارد ورضا المواطنين.
وخلص الباروجي إلى أن نجاح المدن الذكية في مصر لا يرتبط بحجم الاستثمارات التقنية أو عدد الأنظمة والأجهزة، وإنما بقدرتها على الجمع بين التقنية والبيانات والتشريع والحوكمة والعنصر البشري، مع وضع المواطن في قلب عملية التحول.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..