أخبار
مخزونات الغاز في أوروبا عند أدنى مستوى منذ 2011.. هل تكفي لعبور الشتاء؟

عادت مخزونات الغاز في أوروبا إلى دائرة القلق من جديد، بعدما سجلت أدنى مستوياتها لهذا الوقت من العام (2026) منذ عام 2011، في ظل استمرار تداعيات حرب إيراني وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى اضطراب إمدادات الغاز المسال.
تشير بيانات حديثة -اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي بلغت أقل من 58% من طاقتها الاستيعابية، بفارق يصل إلى 12% مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضي، في وقت تواجه فيه دول القارة تحديات متزايدة لإعادة ملء مرافق التخزين مع استمرار ارتفاع الأسعار العالمية.
ورغم أن القارة الأوروبية أصبحت أقل اعتمادًا على الغاز مقارنة بأزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، فإن اعتمادها المتزايد على واردات الغاز المسال بدلًا من الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب جعلها أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية، خاصةً مع احتدام المنافسة على الشحنات بين أوروبا وآسيا.
يحذّر محللون من أن استمرار نقص الإمدادات أو تعرُّض أوروبا لموجات برد قاسية خلال الشتاء المقبل قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الغاز، مع احتمال اضطرار الدول الأوروبية إلى دفع أسعار أعلى للحصول على شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما سينعكس في النهاية على تكاليف الطاقة التي تتحملها الأسر والقطاع الصناعي.
مستوى مخزونات الغاز في أوروبا
تُعدّ مستويات مخزونات الغاز في أوروبا الحالية الأدنى لهذا الوقت من العام منذ بدء تسجيل البيانات عام 2011، بعدما أدى تباطؤ عمليات إعادة ملء المخزونات خلال الصيف إلى اتّساع الفجوة مقارنة بالأعوام السابقة، حسب تقرير لوكالة رويترز.
جاء التراجع نتيجة ارتفاع أسعار الغاز عالميًا، إلى جانب محدودية إمدادات الغاز المسال، خاصة بعد تعطُّل جزء كبير من الشحنات القادمة من منطقة الخليج إثر إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 20% من تجارة الغاز في العالم.
في المقابل، خفّف الاتحاد الأوروبي من مستهدف ملء المخازن، إذ كان يشترط سابقًا الوصول إلى 90% من السعة التخزينية بحلول نوفمبر/تشرين الثاني، قبل أن يعدل الهدف إلى 80% بحلول ديسمبر/كانون الأول، لتجنُّب موجة شراء واسعة قد تؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار.
ويُظهر الرسم البياني التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- سعة تخزين الغاز في أوروبا حتى أبريل/نيسان 2026:
3 سيناريوهات قبل الشتاء
وفق تقرير صادر عن معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، فإن مستقبل مخزونات الغاز في أوروبا خلال الأشهر المقبلة يعتمد على تطورات سوق الغاز العالمية، ويمكن تلخيصها في 3 سيناريوهات رئيسة:
- السيناريو الأول: يفترض استمرار الطلب الأوروبي عند مستوياته الحالية مع استقرار واردات الغاز المسال، وهو ما قد يسمح بارتفاع المخزونات إلى نحو 87 مليار متر مكعب، بما يعادل 81.5% من إجمالي سعة التخزين، وهو مستوى قريب من المستهدف الأوروبي.
- السيناريو الثاني: يفترض استمرار تعطُّل شحنات الغاز الطبيعي المسال بسبب أزمة مضيق هرمز، ما قد يخفض المخزونات إلى نحو 74.3 مليار متر مكعب، أو ما يعادل 69.6% من السعة الإجمالية، وهو مستوى قد يزيد من مخاطر نقص الإمدادات خلال الشتاء.
- السيناريو الثالث: يفترض إمكان انخفاض الطلب الأوروبي على الغاز إذا ارتفعت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة، وتباطأ النشاط الاقتصادي، وجاء الشتاء أكثر اعتدالًا، وهو ما قد يخفف الضغوط على المخزونات.
الغاز المسال.. نقطة الضعف
رغم نجاح أوروبا خلال السنوات الأخيرة في تقليل اعتمادها على الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب، فإنها أصبحت تعتمد بصورة أكبر على واردات الغاز المسال، خاصة من الولايات المتحدة، إلى جانب شحنات من دول أخرى، وهو ما جعلها أكثر ارتباطًا بتقلبات السوق العالمية.
توضح البيانات أن واردات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب تراجعت بصورة حادة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في حين ارتفعت حصة الغاز الأميركي ليصبح أحد أهم مصادر الإمداد للقارة الأوروبية.
وحمل التحول معه تحديًا جديدًا، إذ إن الغاز المسال يخضع للأسعار الفورية والمنافسة العالمية، على عكس عقود خطوط الأنابيب طويلة الأجل، وهو ما يجعل أوروبا أكثر عرضة لارتفاع الأسعار حال زيادة الطلب العالمي أو تعطل الإمدادات.
وأظهرت بيانات السوق -طالعتها منصة الطاقة المتخصصة- أن آسيا استعادت جزءًا كبيرًا من وارداتها من الغاز المسال خلال الأشهر الأخيرة، في حين تراجعت واردات أوروبا، ما يزيد من حدّة المنافسة على الشحنات المتاحة، خاصةً مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
وهبطت واردات أوروبا من الغاز المسال خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 10.5% لتصل إلى 26.27 مليون طن، مقارنة بنحو 29.35 مليون طن خلال المدة نفسها من العام الماضي، كما يوضح الرسم البياني الآتي:
وبلغ إجمالي واردات الغاز المسال الأوروبية في النصف الأول من الغاز الجاري نحو قرابة 65.96 مليون طن، مقارنة بنحو 65.24 مليون طن بالنصف الأول من 2025.
ويُظهر الرسم البياني التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- واردات أوروبا من الغاز المسال خلال (2024-2026):

أسعار الغاز في أوروبا
بلغت أسعار الغاز في أوروبا ضعف مستوياتها قبل الحرب تقريبًا في أواخر يوليو/تموز، إذ ارتفعت من نحو 31 يورو (35.79 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة إلى ما يقلّ قليلًا عن 60 يورو (69.27 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة.
وانخفضت الأسعار منذ ذلك الحين إلى 53 يورو (61.19 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة مع تجدُّد الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتوقع مؤسسة إنرجي أسبكتس (Energy Aspects) أن تتراوح أسعار الغاز في أوروبا خلال الشتاء بين 60 و80 يورو (69.24 إلى 92.32 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة، إذا عادت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تدريجيًا.
لكن في حال استمرار تعطُّل الإمدادات القطرية، بالتزامن مع شتاء أكثر برودة من المعتاد، فقد تقفز الأسعار إلى نحو 110 يورو (126.96 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة خلال المدة من نوفمبر/تشرين الثاني إلى مارس/آذار، في حين قد ترتفع إلى نحو 210 يورو (242.34 دولارًا) إذا سعت أوروبا إلى الاحتفاظ باحتياطي أكبر داخل المخازن.
في الوقت نفسه، يرى محللون أن الأسعار الحالية لا تشجع الشركات على شراء الغاز وتخزينه، لأن أسعار العقود الفورية أصبحت أعلى من أسعار العقود المستقبلية لفصل الشتاء، وهو ما يقلل الجدوى الاقتصادية من التخزين في الوقت الراهن.
وقال كبير محللي الأبحاث في شركة وود ماكنزي، ديفيد لويس، إن انخفاض مستويات التخزين خلق “وضعًا شديد الخطورة”، محذرًا من أنّ تعرُّض أوروبا لمدة طويلة من الطقس شديد البرودة قد يفرض إجراءات لخفض الاستهلاك أو يؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار.
ورغم تأكيد المفوضية الأوروبية أن هدف ملء المخازن إلى 80% بحلول ديسمبر/كانون الأول ما يزال كافيًا لضمان أمن الإمدادات، فإن تقديرات عدد من الخبراء تشير إلى أن مستويات التخزين قد تتراوح بين 67% و76% فقط قبل دخول الشتاء، وهي أقل من المستهدف الأوروبي.
ويؤكد محللون أن تحقيق حتى هذه المستويات سيستلزم منافسة قوية مع المشترين الآسيويين على شحنات الغاز المسال، في وقت تواصل فيه بروكسل تنفيذ خطتها للتخلص تدريجيًا من واردات الغاز الروسي المسال، ما يحدّ من الخيارات المتاحة أمام الأسواق الأوروبية.
في جميع الأحوال، يتفق الخبراء على أن أيّ ارتفاع إضافي في أسعار الغاز لن يقتصر تأثيره على أسواق الطاقة فقط، بل سيمتد إلى المستهلكين والقطاع الصناعي، مع توقعات بزيادة فواتير الكهرباء والتدفئة خلال الشتاء المقبل، لتظل مخزونات الغاز في أوروبا أحد أبرز الملفات التي ستحدد مسار أسواق الطاقة العالمية خلال الأشهر المقبلة.
موضوعات متعلقة..
نرشّح لكم..
المصدر: