أخبار
قانون تأميم الصلب في بريطانيا.. هل سياسات الحياد الكربوني السبب الوحيد؟ (تقرير)

اقرأ في هذا المقال
- حكومة المملكة المتحدة أكملت عملية التأميم الإجباري لشركة بريتيش ستيل
- سياسات الحياد الكربوني لم تكن السبب الوحيد وراء الصعوبات التي واجهتها شركة بريتيش ستيل
- لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات شجعت الحكومة الطاقة المتجددة من خلال دعم سخي
- إنتاج الصلب من خام الحديد في أفران الصهر يُعدّ عملية كثيفة استهلاك الطاقة
يُعدّ قانون تأميم صناعة الصلب في بريطانيا مصادرة مُقنّعة بالمصلحة العامة مُبرّرة رسميًا بمخاوف الأمن القومي، على الرغم من التداعيات الاقتصادية لهذا القانون.
من جانبها، أكملت حكومة المملكة المتحدة عملية التأميم الإجباري لشركة بريتيش ستيل، الشركة المالكة لمصنع سكونثورب في شمال منطقة لينكولنشاير، وهو آخر منشأة في المملكة المتحدة قادرة على إنتاج الصلب الخام في أفران الصهر التقليدية، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبًا من تيارات اليمين واليسار على حدّ سواء، إلّا أنها تُمثّل نقلًا نهائيًا للمخاطر من مساهمي القطاع الخاص إلى دافعي الضرائب، متجاهلةً أن العديد من المشكلات التي أدت إلى ذلك كانت في معظمها من صنع الدولة نفسها وسياساتها البيئية المتشددة.
وأصدرت الحكومة البريطانية قانون تأميم صناعة الصلب، وهو قانون مصمم خصوصًا لتمكين مصادرة شركة الصلب البريطانية بريتيش ستيل (British Steel).
قانون تأميم صناعة الصلب في بريطانيا
في 16 يوليو/تموز 2026، وبعد يوم واحد فقط من حصول قانون تأميم صناعة الصلب في بريطانيا على الموافقة الملكية، انتقلت ملكية الشركة رسميًا إلى الدولة، وفقًا لمقال للكاتبة السياسية البرتغالية، كلوديا أسينساو نونيس، نشرته مؤسسة التعليم الاقتصادي الأميركية (إف إي إي).
وخرج مصنع سكونثورب من سيطرة مجموعة جينغيه الصينية الخاصة (Jingye) وأصبح ملكًا عامًا.
وترى كلوديا أسينساو نوني أن هذا يُعدّ مصادرة مُقنّعة بالمصلحة العامة، ومُبرّرة رسميًا بمخاوف الأمن القومي في سياق الحرب في أوكرانيا والتعرفات الأميركية على الصلب، مضيفةً أن هناك المزيد ما يُمكن قوله حول الأسباب الكامنة وراء التأميم.
وكانت الحكومة تُدير العمليات منذ أبريل/نيسان 2025، بعد أن وجدت مجموعة جينغيه نفسها غير قادرة على التوفيق بين المتطلبات البيئية التي تفرضها الدولة وهدفها الطبيعي المتمثل في تحقيق الربح.
وبحسب مكتب التدقيق الوطني، أنفق دافعو الضرائب البريطانيون 377 مليون جنيه إسترليني (509 ملايين دولار) بين أبريل/نيسان 2025 ويناير/كانون الثاني 2026 لإبقاء المصنع مفتوحًا، أي ما يقارب 1.76 مليون دولار يوميًا، دون موازنة ثابتة أو موعد محدد لانتهاء الدعم الحكومي.
(الجنيه إسترليني = 1.35 دولارًا أميركيًا)
وتوقّع المكتب أن يصل الإنفاق إلى (830 مليون دولار أميركي) بحلول يونيو/حزيران 2026، وقد يتجاوز 2.03 مليار دولار بحلول عام 2028 إذا استمر الوضع على ما هو عليه. كان الوضع -وما يزال- أشبه ببئر لا قعر لها.
سياسات الحياد الكربوني في بريطانيا
ترى الكاتبة السياسية البرتغالية، كلوديا أسينساو نونيس، أن من المهم الإشارة إلى أن سياسات الحياد الكربوني لم تكن السبب الوحيد وراء الصعوبات التي واجهتها شركة بريتيش ستيل.
وتوضح أن عوامل خارجية، مثل الإنتاج الصيني المفرط والتعرفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة، أسهمت في تفاقم الوضع.
وفي الوقت نفسه، أدت سياسات خفض الانبعاثات الكربونية المحلية دورًا أساسيًا في النتيجة.
ولتحقيق أهداف خفض الانبعاثات، شجعت الحكومة الطاقة المتجددة من خلال دعم سخي، وأطلقت نظام تداول الانبعاثات في المملكة المتحدة، وهو نظام يُلزم الشركات التي تُصدر ثاني أكسيد الكربون بشراء حصص انبعاثات، ما يُضيف تكلفة إضافية على الصناعات كثيفة الكربون.
وتضيف كلوديا أسينساو نونيس أن هذه الإجراءات أدت إلى ارتفاع تكلفة الكهرباء الصناعية بشكل ملحوظ، ما أثّر مباشرةً في الشركة.
ويُعدّ إنتاج الصلب من خام الحديد في أفران الصهر عملية كثيفة استهلاك الطاقة.
أسعار الكهرباء الصناعية
في بريطانيا، أصبحت أسعار الكهرباء الصناعية من بين الأعلى في أوروبا، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وبحسب بيانات صادرة عن هيئة صناعة الصلب البريطانية يو كيه ستيل (UK Steel)، بلغ متوسط سعر الكهرباء الذي دفعته شركات صناعة الصلب البريطانية في المدة 2025-2026 نحو 80.30 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة، مقارنةً بـ70.25 دولارًا في ألمانيا و64.48 دولارًا في فرنسا.
ونتيجةً لذلك، تدفع الشركات البريطانية حاليًا أسعارًا أعلى للكهرباء مقارنةً بمنافسيها المباشرين، ما يجعل أفران الصهر التابعة لشركة بريتيش ستيل غير قادرة على المنافسة هيكليًا.
وتشير الكاتبة السياسية البرتغالية، كلوديا أسينساو نونيس، إلى أنه إذا كانت الدولة، من جهة، قد خلقت العديد من الظروف التي جعلت العمل غير مجدٍ اقتصاديًا، فإنها، فمن جهة أخرى، قدّمت نفسها منقذًا من خلال التأميم القسري بموجب مرسوم تشريعي.
في أثناء ملكية القطاع الخاص لشركة بريتيش ستيل، كان لدى مجموعة جينغيه الصينية مصلحة مباشرة في الإدارة الرشيدة، وتعظيم الإنتاج والربح حيثما كان ذلك ممكنًا، أو الخروج من العملية إذا لم يكن كذلك.
وتوضح كلوديا أسينساو نونيس أن هذا التوافق بين المخاطرة والسيطرة هو ما يسمح للأسواق بتحديد الأنشطة غير المستدامة اقتصاديًا وإلغائها.

وترى أن حوافز السوق لا تضمن أن تكون جميع القرارات صحيحة، لكنها تضمن أن يتحمل أولئك الذين يتخذون قرارات سيئة إلى حدّ كبير تكلفة ذلك القرار.
وتؤكد أن هذه المساءلة تتلاشى مع تأميم صناعة الصلب في بريطانيا، فما كان يُعدّ مشكلة خاصة، أصبح يُموّل من أموال جميع دافعي الضرائب.
وعلى الرغم من أن قانون صناعة الصلب (التأميم) صُمِّم خصوصًا لشركة بريتيش ستيل، مُرسيًا سابقةً للمستقبل، فإن هذا التأميم لا يعني حاليًا تأميم صناعة الصلب البريطانية بأكملها.
فمصنع بورت تالبوت، الذي تُديره شركة تاتا ستيل في مقاطعة ويلز، ما يزال تحت إدارة القطاع الخاص.
في المقابل، كان مصنع سكونثورب آخر وحدة تستعمل أفران الصهر التقليدية لإنتاج الصلب الخام.
وعلى الرغم من أن مصنع بورت تالبوت قبل حزمة دعم حكومية للانتقال إلى أفران القوس الكهربائي -وهي خطوةٌ انطوت على خسائر كبيرة في الوظائف- قاومت شركة جينغيه هذا الانتقال، إذ تراه غير مُستدام اقتصاديًا في ظل الشروط المفروضة، وأدت هذه المقاومة في نهاية المطاف إلى التأميم الكامل.
وبإمكان الحكومة الآن دعم المصنع إلى أجل غير مسمى، لأن السياسيين لا يتحملون تكلفة خياراتهم مباشرةً.
ويستجيب السياسيون للحوافز الانتخابية والإعلامية، إذ تُعدّ حماية الوظائف البارزة في منطقة مُحددة والاستناد إلى الأمن القومي أمرًا منطقيًا من منظور الإستراتيجية السياسية، ولكنه غير منطقي من منظور اقتصادي.
مصادرة الأصول
يواجه مستثمر أجنبي -مثل شركة جينغيه الصينية، التي ضخت أكثر من مليار جنيه إسترليني (1.35 مليار دولار) في المملكة المتحدة- مصادرة الدولة لأصوله رغمًا عنه، بعد أن كان مقيدًا بشدّة بقوانين فرضتها الحكومة نفسها.
وتطالب شركة جينغيه بتعويضات، حيث تشير مصادر في القطاع إلى ديون وخسائر تتجاوز مليار جنيه إسترليني (1.35 مليار دولار أميركي).
من جانبها، لوّحت الحكومة البريطانية بأنها قد تحدّ من هذه التعويضات أو ترفضها، ما يُثير توترات دبلوماسية مع الصين، إذ تُضعف هذا السابقة أمن حقوق الملكية في البلاد.
وإذا كان بإمكان الدولة مصادرة شركة خاصة لعدم قدرتها على تلبية المتطلبات التنظيمية ومتطلبات الطاقة التي فرضتها الدولة نفسها، ثم تحديد مقدار التعويض أو حتى ما إذا كانت ستدفعه أصلًا، فإن جميع المستثمرين -محليين وأجانب- يُدركون أن الاستثمار في المملكة المتحدة ينطوي على مخاطر كامنة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر: