أخبار
من أجل الـ10 ملايين برميل نفط.. هل ينسحب العراق من أوبك؟ (مقال)

اقرأ في هذا المقال
- النفط صناعة طويلة الأمد، ولا تُبنى خططها بالحماس أو بالمواعيد القصيرة
- العراق كان ينتج قبل حرب إيران في حدود 4.2 إلى 4.5 مليون برميل نفط يوميًا
- الطاقة الإنتاجية المستدامة لإنتاج العراق من النفط تقترب من 5 ملايين برميل يوميًا
- خلال الفترة الماضية ظهرت طروحات سياسية وإعلامية تدعو إلى تجاوز قيود أوبك أو حتى التفكير في الانسحاب منها
- العراق يحتاج إلى علاقته بالدول المنتجة داخل أوبك+ وكذلك يحتاج إلى الشركاء الآخرين
منذ تشكيل الحكومة الحالية، شهد القطاع النفطي في العراق سلسلة من القرارات والخطط والإعلانات التي استهدفت زيادة الإنتاج، وتطوير الحقول، واستثمار الغاز، وتنويع منافذ التصدير، واستقطاب الشركات العالمية، وهي أهداف مشروعة ومطلوبة في بلد ما يزال النفط يمثّل عماد اقتصاده ومصدره الرئيس للإيرادات العامة.
ومن حق العراق، وهو يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، أن يطمح إلى إنتاج يتناسب مع حجم ثروته ومكانته بين كبار المنتجين، بل إن عدم تطوير قدراته الإنتاجية والتصديرية سيكون هدرًا لفرص اقتصادية مهمة في مرحلة تتغير فيها خريطة الطاقة العالمية بوتيرة سريعة.
لكن هناك فارقًا بين الطموح المشروع ووضع سقوف إنتاجية كبيرة قبل استكمال القاعدة التي يمكن أن تحملها.
وهذا تحديدًا ما يُثير التساؤل بشأن الهدف الحكومي الأخير للوصول بالإنتاج النفطي العراقي إلى نحو 10 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2030.
ففي 27 يونيو/حزيران 2026 أعلن رئيس الوزراء أن العراق يطمح إلى رفع إنتاجه إلى 7 ملايين برميل يوميًا خلال 3 سنوات، وأن هذه الرؤية عُرضت على شركات طاقة أميركية.. ثم ارتفع السقف في 21 أغسطس/آب إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا خلال 6 سنوات.
وفي الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، جاء التوجيه ضمن مناقشة الخطة الإستراتيجية 2027-2030 بالوصول إلى نحو 10 ملايين برميل نفط يوميًا بحلول 2030، مع توجيه وزارة النفط للتحضير لمؤتمر موسّع تُدعى إليه كبريات الشركات النفطية الدولية.
هذه السرعة في الانتقال من 7 إلى 10 ملايين برميل نفط يوميًا تطرح سؤالًا ينبغي ألا يُفهم على أنه اعتراض على طموح الحكومة، وإنما محاولة لوضعه في إطاره المهني الصحيح: ما الذي تغيّر في المعطيات الفنية والاستثمارية خلال فترة قصيرة حتى يرتفع السقف المستهدف بهذا الحجم؟
فالهدف الإنتاجي في صناعة النفط لا يفترض أن يكون رقمًا يُعلن أولًا ثم تبحث الدولة لاحقًا عن الوسائل اللازمة لتحقيقه.. المنطق التخطيطي يفترض العكس: تحديد الاحتياطيات القابلة للتطوير، والحقول، والطاقة الإضافية الممكنة لكل حقل، والاستثمار المطلوب، ونماذج العقود، والبنى التحتية، ومنظومات الماء والطاقة والغاز والتخزين والتصدير، والجدول الزمني، ثم يأتي الرقم النهائي بوصفه نتيجة لهذه المعطيات.
قبل الأزمة الإقليمية الأخيرة كان العراق ينتج بحدود 4.2 إلى 4.5 مليون برميل يوميًا، فيما تشير تقديرات إلى أن طاقته المستدامة كانت تقترب من 5 ملايين برميل يوميًا.
ومن ثم فإن الوصول إلى 10 ملايين برميل لا يمثّل إضافة طبيعية أو تدريجية، إنما يعني عمليًا مضاعفة القدرة الإنتاجية المتاحة تقريبًا خلال سنوات معدودة.. وهنا تبدأ صعوبة المشروع الحقيقية.
من 7 إلى 10 ملايين برميل
يمكن للعراق، إذا وفّر الاستثمارات وطوّر الحقول العملاقة وأزال الاختناقات الفنية، أن يحقّق زيادة إنتاجية مهمة خلال السنوات المقبلة.
إن الوصول إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا بحلول 2030 يمكن اعتباره هدفًا طموحًا، لكنه أقرب إلى الواقعية، خصوصًا مع تسريع تطوير الحقول واستكمال مشروعات البنية التحتية.
أما القفز إلى 10 ملايين خلال المدة نفسها فيحتاج إلى نقلة مختلفة كليًا، فالفارق لا يعني 3 ملايين برميل إضافية فقط، بل مئات الآبار والمنشآت، وتوسيع منظومات حقن المياه ومعالجة النفط والغاز، وإنشاء خطوط أنابيب ومستودعات ومحطات ضخ، ورفع قدرات الطاقة والمواني وتأمين منافذ تصديرية إضافية، فضلًا عن استثمارات ضخمة تحتاج إلى بيئة استثمارية ناضجة.
ومن هنا يبدو أكثر واقعية التعامل مع 10 ملايين برميل باعتبارها هدفًا إستراتيجيًا لبناء قدرة إنتاجية مستقبلية، لا تعهُّدًا بإنتاج فعلي بهذا المستوى بحلول عام 2030.
فالهدف الكبير يعزّز الثقة عندما يستند إلى خطة واضحة، لكنه قد يتحول إلى عبء على مصداقية الخطط الحكومية إذا سبق إمكانات التنفيذ.
دعوة الشركات.. ودروس جولات التراخيص
الدعوة إلى مؤتمر لكبريات الشركات العالمية خطوة إيجابية، لكن العراق لا يبدأ تجربته الاستثمارية من الصفر، بل يمتلك أكثر من 15 عامًا من الخبرة في جولات التراخيص والعمل مع شركات نفطية كبرى.
وقد أسهمت تلك التجربة في زيادة الإنتاج وتطوير الحقول وإدخال تقنيات وخبرات دولية، لكنها أفرزت أيضًا إشكالات في طبيعة بعض العقود والحوافز وآليات احتساب التكاليف واستردادها، فضلًا عن الإجراءات الإدارية وتأخر الموافقات وتداخل الصلاحيات والحاجة إلى تطوير القدرات العراقية في إدارة الملفات التعاقدية والاقتصادية والقانونية.
لذلك ينبغي أن تسبق موجة العقود الجديدة مراجعة صريحة للتجربة:
- ماذا كسب العراق؟
- أين كانت نقاط الضعف؟
- هل كانت التكاليف والحوافز تحت الرقابة المطلوبة؟
- هل امتلك الجانب العراقي فرقًا قانونية ومالية واقتصادية تضاهي تلك التي تدخل بها الشركات العالمية؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى إدانة التجربة، بل إلى تحويل إيجابياتها وسلبياتها إلى خبرة مؤسسية تمنع تكرار الأخطاء.
العقود الجديدة.. والنار تحت الرماد
اتجه العراق في السنوات الأخيرة إلى نماذج تعاقدية أكثر مرونة وجاذبية، بعدما أظهرت التجربة أن بعض الشركات الكبرى لم تعد ترى عقود الخدمة التقليدية مغرية بالقدر الكافي.
وهذا التحول قد يكون ضروريًا لاستقطاب الاستثمار والخبرة الدولية، لكنه يطرح في المقابل أسئلة مهمة.
فعندما تحصل الشركات الجديدة على شروط أفضل أو هوامش ربح أكبر، قد تطالب الشركات العاملة وفق العقود السابقة بإعادة التفاوض أو الحصول على معاملة مماثلة.
لذلك، ينبغي ألا تترك المسألة لكل عقد منفرد، بل تحتاج إلى سياسة تعاقدية واضحة تحدد أسباب الاختلاف بين النماذج ومعايير العائد والمخاطر والاستثمار.
فتعدد العقود من دون فلسفة موحّدة قد يضع العراق مستقبلًا أمام شبكة معقّدة من الالتزامات والمطالبات.
والأهم أن تطوير العقود يجب أن يرافقه تطوير مماثل في خبرة الدولة التي تفاوض عليها، فالشركات العالمية تدخل المفاوضات بمحامين وخبراء تمويل واقتصاد وعقود وتحكيم ومخاطر وتسويق، ولا يكفي في المقابل امتلاك خبرة فنية في تشغيل الحقول.
إن إدارة صناعة باستثمارات قد تبلغ عشرات أو مئات المليارات تحتاج إلى خبرات قانونية واقتصادية وتعاقدية بالمستوى نفسه، لأن الخطأ في بند يمتد 20 أو 30 عامًا قد يكلف الدولة مليارات الدولارات.
بين الخطة الحكومية وجاهزية البنى التحتية!
هنا يبرز سؤال أكبر: هل البنية الحالية لوزارة النفط جاهزة لإدارة صناعة بحجم 10 ملايين برميل يوميًا؟
فالوزارة تضطلع بأدوار متعددة تشمل رسم السياسة، والإشراف على الشركات، والتفاوض على العقود، والمتابعة الفنية وإدارة المشروعات، فضلًا عن ملفات الإنتاج والتصدير والغاز والتكرير.
ومع التوسع المطلوب، تصبح إعادة الهيكلة ضرورة، ليس لإضافة تشكيلات جديدة، بل لتحديد المسؤوليات وبناء مؤسسة تعمل بعقلية استثمارية واقتصادية وقانونية تتناسب مع صناعة الطاقة الحديثة.
وتقدم تجربة قانون شركة النفط الوطنية العراقية رقم 4 لسنة 2018 درسًا مهمًا؛ فقد أُقر القانون لإنشاء شركة وطنية كبيرة، لكن المحكمة الاتحادية العليا قضت بعدم دستورية عدد من مواده الجوهرية، ما أعاق المضي بتأسيس الشركة وفق صيغتها الأصلية.
والمغزى ليس إعادة فتح الجدل حول الشركة، بل التأكيد أن إنشاء مؤسسة عملاقة أو إعادة هيكلة قطاع كامل يحتاجان إلى بناء قانوني ومؤسسي محكم قبل التنفيذ، لا بعد ظهور المشكلات.
بين بغداد والإقليم.. مَن يملك القرار النفطي؟
من الصعب الحديث عن إستراتيجية وطنية لزيادة الإنتاج بهذا الحجم فيما لم يحسم العراق حتى اليوم أحد أهم الملفات التشريعية في القطاع، وهو قانون النفط والغاز الاتحادي.
فالعلاقة النفطية بين بغداد وإقليم كردستان ظلت لسنوات رهينة الخلافات السياسية والقانونية والتسويات المؤقتة، وتداخل معها ملف العقود التي أبرمها الإقليم مع الشركات الأجنبية، والإنتاج والتصدير والإيرادات.
والهدف الحكومي الأخير نفسه تضمّن الإشارة إلى زيادة الإنتاج من حقول الإقليم ضمن خطة الوصول إلى السقف الجديد.
لكن كيف يمكن بناء خطة إنتاج وطنية تمتد لعقود إذا ظل جزء مهم من العلاقة بين المركز والإقليم بلا إطار تشريعي نهائي ومستقر؟
الشركات العالمية تريد وضوحًا:
- من يملك صلاحية التعاقد؟
- ما القانون الذي يحكم العقد؟
- من يضمن الاستقرار المالي؟
- من يحل النزاع؟
- ما العلاقة بين المركز والإقليم؟
إن قانون النفط والغاز ليس مجرد مادة من مواد الخلاف السياسي، بل أصبح عنصرًا من عناصر الثقة الاستثمارية التي يحتاج إليها العراق إذا كان يريد منافسة الدول الأخرى على رؤوس الأموال العالمية.
العراق وأوبك
العراق عضو مؤسس في أوبك، وملتزم ضمن تحالف أوبك+ بسياسات إدارة الإنتاج وتحقيق قدر من التوازن بين العرض والطلب واستقرار السوق.
وحتى أغسطس/آب 2026 ظل العراق مشاركًا في اجتماعات الدول المنتجة التي تؤكد الالتزام بإدارة الإنتاج ومتابعة أوضاع السوق بصورة شهرية.
وقد ظهرت خلال الفترة الماضية طروحات سياسية وإعلامية تدعو إلى تجاوز قيود أوبك أو حتى التفكير في الخروج منها، بالتزامن مع الحديث عن توسيع الشراكة الاقتصادية والطاقة مع الولايات المتحدة.
لكن مثل هذه الطروحات، إذا تحولت من رأي سياسي إلى سياسة نفطية، تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالدخول في شراكات واسعة مع الولايات المتحدة أمر يمكن أن يخدم العراق في جذب الشركات والتكنولوجيا والاستثمار وتنويع علاقاته الاقتصادية، لكنه لا ينبغي أن يدفع إلى الاعتقاد أن هذه الشراكة تمثّل بديلًا عن شبكة المصالح التي بناها العراق طوال عقود مع أسواقه التقليدية أو عن دوره داخل أوبك، فالسياسة النفطية لا تُبنى على استبدال محور بآخر.
العراق يحتاج إلى الولايات المتحدة، كما يحتاج إلى الصين والهند وأوروبا والأسواق الآسيوية الأخرى، ويحتاج كذلك إلى علاقته بالدول المنتجة داخل أوبك+.
والصين تحديدًا ليست مجرد دولة صديقة أو مستثمر آخر في العراق، بل تمثل أحد أهم زبائن الخام العراقي وأحد أكبر شركائه التجاريين.
ففي عام 2024 استوردت الصين أكثر من 1.1 مليون برميل يوميًا من الخام العراقي، وكانت مع الهند تستحوذان على جزء كبير من صادرات العراق النفطية، فيما تشير البيانات الصينية الرسمية إلى أن بكين بقيت من أكبر الشركاء التجاريين للعراق ومن أهم مستوردي نفطه خلال 2025 و2026.
ومن هنا فإن أي توجه نفطي يُقرأ على أنه انتقال إستراتيجي كامل نحو طرف دولي على حساب طرف آخر قد لا يكون في مصلحة العراق.
فالعراق ليس دولة نفطية صغيرة تبحث عن مشترٍ واحد، وإنما منتج كبير ينبغي أن تكون سياسته قائمة على تنويع الشركاء والأسواق، لا استبدال الاعتماد باعتماد آخر.
التعامل مع أوبك من زاوية أنها تعرقل العراق أو تمنعه من استثمار موارده ينطوي أيضًا على تبسيط لطبيعة المنظمة.
أوبك لا تمنع العراق من تطوير حقوله أو بناء طاقته الإنتاجية، وإنما تتعامل مع حجم الإنتاج الفعلي وفق ظروف السوق.
بل إن امتلاك العراق طاقة إنتاجية أكبر يعزّز موقفه التفاوضي داخل المنظمة إذا استطاع إثبات أن هذه القدرة مستدامة وقابلة للإنتاج.
أما الخروج من أوبك على أساس أن ذلك سيسمح للعراق بإنتاج كل ما يستطيع إنتاجه، فهو قد يتحول إلى مقامرة غير محسوبة، لأن السؤال ليس: هل يمكن للعراق أن ينتج 10 ملايين؟ بل: من سيشتري 10 ملايين برميل يوميًا إضافية أو جزءًا كبيرًا منها، وبأي سعر؟
فإذا أدى ضخ كميات إضافية إلى سوق لا تحتاج لها إلى الضغط على الأسعار، فإن العراق قد يبيع براميل أكثر ويحصل على إيرادات أقل.
وقد ينتج 7 ملايين برميل في سوق متوازنة بسعر جيد ويحصل على عائد أكبر مما يحصل عليه من 10 ملايين برميل في سوق تعاني فائضًا كبيرًا.
المعادلة النفطية ليست كمية فقط، بل كمية وسعر وسوق وتوقيت وعلاقات اقتصادية.
والأكثر حساسية أن السوق الصينية، وهي أكبر سوق نفطية في العالم، شهدت خلال 2026 بالفعل تراجعًا حادًا في وارداتها عندما ارتفعت الأسعار واضطربت الإمدادات؛ إذ انخفضت واردات الصين من الخام في الربع الثاني من العام بصورة كبيرة مقارنة بالربع الأول.
وهذا يذكّر بأن الطلب ليس رقمًا مضمونًا يستطيع أي منتج أن يبني عليه توسعًا مفتوحًا في الإنتاج.
لذلك ينبغي ألا تدخل العلاقات مع الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى في معادلة أوبك بمنطق: إما هذه وإما تلك.
السياسة الأكثر حكمة للعراق هي استغلال علاقاته مع واشنطن لجذب الاستثمار والتكنولوجيا والشركات، وعلاقته مع الصين للحفاظ على واحدة من أكبر أسواقه وشراكاته الاستثمارية، وعلاقته مع أوبك+ لحماية استقرار السوق وتحسين موقعه التفاوضي في الوقت نفسه.
فالعراق يحتاج إلى توازن المصالح، لا إلى طلاق سياسي أو نفطي مع طرف لمصلحة طرف آخر.
والاستقلال في القرار النفطي لا يعني مغادرة أوبك، كما لا يعني الارتهان للولايات المتحدة أو الصين؛ بل يعني أن يكون القرار العراقي محكومًا بمصلحة العراق أولًا، وبحسابات السوق والعائد والاستثمار والاستقرار على المدى الطويل.
ومن هنا فإن بناء طاقة إنتاجية أكبر يمنح العراق قوة تفاوضية حقيقية، لكن استغلال هذه القوة ينبغي أن يبقى مرتبطًا بالسوق وبحسابات المصلحة الاقتصادية، لا بالشعارات السياسية أو الرغبة في إثبات القدرة على إنتاج أكبر عدد ممكن من البراميل.
الرسم البياني أدناه من منصة الطاقة، يوضح أحدث أرقام إنتاج دول أوبك ومن بينها العراق:

الوزارة.. ومتطلبات الموقف المسؤول!
يبقى جانب لا يقل أهمية عن الآبار والعقود والقوانين، وهو طريقة اتخاذ القرار داخل المؤسسات.. لا تقع مسؤولية واقعية الهدف على رئيس الحكومة وحده، فهناك وزارة ومؤسسات وشركات وقيادات ومستشارون يفترض أن يقدموا الرأي الفني قبل اتخاذ القرار.
وواجب المسؤول المختص ليس أن يكتفي بهز الرأس بالموافقة على كل سقف يُطرح أمامه، إذا كانت الحسابات الفنية تقول إن هدفًا معينًا غير ممكن ضمن المدة المقترحة، فعليه أن يقول ذلك.
وإذا كان يحتاج إلى 6 أو 8 سنوات بدلًا من 4، فعليه أن يضع هذه الحقيقة أمام صاحب القرار.
وإذا كانت البنية التحتية لا تكفي، أو الاستثمارات غير مضمونة، أو العقود تحتاج إلى مراجعة، فهذه المعلومات يفترض أن تظهر قبل الإعلان وليس بعده.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التأييد إلى وسيلة للحفاظ على الموقع الوظيفي، ويصبح إرضاء المسؤول الأعلى أهم من تقديم الرأي المهني.. وهذا لا يخدم رئيس الحكومة نفسه.
فالحكومة القوية ليست التي يوافقها الجميع، بل التي تحيط نفسها بمسؤولين لديهم الخبرة والشجاعة ليقولوا لها: هذا ممكن، وهذا يحتاج إلى وقت أطول، وهذا لا تتوافر شروطه الآن.
أما الموافقة على هدف يعلم المختص مسبقًا أن عناصر تحقيقه غير مكتملة، فهي لا تحمي القرار، وإنما تؤجل اكتشاف المشكلة حتى موعد التنفيذ.
10 ملايين برميل.. الطموح وحدود الواقع
على الحكومة ألا تتراجع عن طموحها النفطي، بل يتطلّب أن ترتّب الطريق إليه، فالعراق يحتاج إلى زيادة إنتاجه واستثمار احتياطياته، لكن من دون التعجل في إعلان سقوف كبيرة قبل تهيئة مستلزماتها.
يمكن أن يكون هدف الـ10 ملايين برميل رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، فيما يبدو الوصول إلى قدرة مستدامة تقارب 7 ملايين برميل بحلول 2030، إذا توافرت شروطها، إنجازًا كبيرًا وأكثر واقعية، على أن يرافق ذلك تطوير منافذ التصدير، وحسم البيئة التشريعية، وتسوية العلاقة النفطية مع الإقليم، ومراجعة العقود، وتعزيز الخبرات القانونية والتجارية، وإصلاح الإدارة النفطية.
فالنفط صناعة طويلة الأمد، ولا تُبنى خططها بالحماس أو بالمواعيد القصيرة، وإذا كان العراق يريد الوصول فعلًا إلى 10 ملايين برميل، فإن الطريق يبدأ ببناء المؤسسات والبنى التحتية والعقود والخبرات القادرة على إنتاج هذه الكميات وإدارتها وتسويقها وحماية عوائدها.
ليس المطلوب خفض الطموح، بل جعل سقف الإعلان منسجمًا مع سقف القدرة على التنفيذ. فالدولة لا تُقاس بحجم الأرقام التي تعلنها، بل بما تستطيع تحويله منها إلى واقع.
*عاصم جهاد، المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، كاتب صحفي مختص في شؤون النفط والطاقة.
مقالات سابقة للكاتب: