أخبار
أزمة الوقود في روسيا.. 4 تحديات تهدد إمدادات الطاقة (مقال)

اقرأ في هذا المقال
- روسيا تشهد أخطر أزمة وقود داخلية منذ عقدين والضغوط تتزايد عليها من 4 اتجاهات.
- وزير الطاقة القازاخستاني لم يستبعد توريد البنزين إذا قدمت موسكو طلبًا.
- البنزين والديزل ما يزالان خاضعين لرقابةٍ صارمةٍ من خلال حظر التصدير وحصص التبادل.
- واردات روسيا من المنتجات النفطية ستأتي على الأرجح بصورة أساسية من الهند.
تتفاقم أزمة الوقود في روسيا، وتلقي هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة في البلاد بظلالها الثقيلة، إذ تعطل الإنتاج في عدد من مصافي التكرير وتسبب في تقنين المبيعات بمناطق عديدة.
وتشهد روسيا أخطر أزمة وقود داخلية منذ عقدين، وتتزايد الضغوط عليها من 4 اتجاهات في آن واحد، تشمل الهجمات الأوكرانية على المصافي، وتأثر إنتاج قازاخستان، وتشديد العقوبات الأوروبية على الطاقة الروسية، واضطرابات أسواق الطاقة الآسيوية المرتبطة بأزمة مضيق هرمز.
فداخل البلاد، أدت حملة متواصلة من هجمات الطائرات المسيّرة على مصافي التكرير إلى توقف جزء كبير من إنتاج البنزين والديزل في ذروة الطلب الموسمي.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تأثرت قاعدة إنتاج قازاخستان نفسها بهذا الاضطراب، من خلال سلسلة معالجة الغاز المتكاملة.
وفي بروكسل، استغل الاتحاد الأوروبي الأيام الأخيرة من شهر يونيو/حزيران المنصرم لإغلاق أي احتمال لاستئناف مبيعات الطاقة الروسية إلى أوروبا بهدوء، مُشيرًا في الوقت نفسه إلى أن النفط -وليس الغاز فقط- هو الهدف التالي للحظر الرسمي.
وفي آسيا، تتحمل الصين والهند جزءًا كبيرًا من صدمة أزمة الوقود في روسيا، وإن كان ذلك لا يخلو من تبعات جديدة لديهما.
وتُظهر هذه الخيوط مجتمعة نظام الوقود والطاقة الذي يتعرض للضغط من جانب العرض، وجانب الخدمات اللوجستية، وجانب الوصول إلى السوق في وقت واحد، حتى مع تعمق أسواقه الآسيوية، إذ يدير الكرملين الأزمة الآن علنًا للمرة الأولى.
خريطة أضرار مصافي التكرير
يعود السبب المباشر لنقص الوقود في روسيا إلى الأضرار المادية التي لحقت بقدرة التكرير في وسط البلاد.
وتعرضت مصفاة موسكو النفطية التابعة لشركة غازبروم نفط الروسية (Gazprom Neft)، الواقعة على الحافة الجنوبية للعاصمة، لهجومين خلال 3 أيام في منتصف يونيو/حزيران المنصرم، ما أدى إلى تعطيل وحدتي التقطير الرئيستين فيها وإيقاف الإنتاج بالكامل.
وكانت المصفاة قد عالجت 11.6 مليون طن من النفط الخام في عام 2024، منتجةً 2.9 مليون طن من البنزين و3.2 مليون طن من الديزل، وقدّر محللو شركة سينارا تكلفة الإصلاح في أسوأ الأحوال بمليار دولار، مع مدة تعافٍ تمتد إلى عام تقريبًا.
بعد 10 أيام، في 24 يونيو/حزيران المنصرم، ضربت طائرة مسيرة مصفاة نورسي في مدينة نيجني نوفغورود، التابعة لشركة لوك أويل (Lukoil)، وهي رابع أكبر مصفاة في البلاد من حيث القدرة الإنتاجية وثاني أكبر منتج للبنزين.
ووصف حاكم المنطقة غليب نيكيتين الأضرار بأنها ناجمة عن اصطدام حطام، إلا أن الهجوم أدى إلى تعطيل وحدة المعالجة الرئيسة سي دي يو-5، التي تمثل ربع إجمالي إنتاج المصفاة تقريبًا.
وتُعالج مصفاة نورسي عادةً نحو 15 مليون طن من النفط الخام سنويًا.
بدورها، أوقفت مصفاة تانيكو التابعة لشركة تاتنفط الروسية (Tatneft) في جمهورية تتارستان -وهي الأكبر في الشركة- عمليات التكرير بالكامل في 12 يونيو/حزيران المنصرم بعد هجوم منفصل.
وتأثرت منشآت أخرى في مدن نيجنيكامسك وتيومين وفولغوغراد في يونيو/حزيران المنصرم، عقب 16 هجومًا على مصافي التكرير في مايو/أيار الماضي.
ووفقًا لأرقام وكالة رويترز التي وردت في تغطية أخبار التجارة الروسية، فإن التأثير التراكمي هو انخفاض إنتاج البنزين بنحو 25% على أساس سنوي.
وحتى في ظل السيناريو المتفائل، ستحتاج مصفاة موسكو إلى 6 أشهر على الأقل للعودة إلى الخدمة، ومن المتوقع أن تستأنف مصفاة نورسي عملياتها جزئيًا فقط، وليس على الفور.
أكثر من 60 منطقة
أدى تعطل مصافي التكرير مباشرةً إلى نقص حاد في الوقود في روسيا لدى المستهلكين.
وبحلول نهاية يونيو/حزيران المنصرم، فرضت أكثر من 60 منطقة روسية شكلًا من أشكال القيود على مبيعات الوقود، وفقًا لتقارير صحفية متخصصة تتابع أزمة الوقود في روسيا.
وتشير إحصاءات مجموعة الاستشارات الروسية آر بي سي (RBC) إلى وجود قيود رسمية معلنة في 20 منطقة اتحادية، مع انتشار القيود غير الرسمية على نطاق أوسع.
ويُظهر هذا التفاوت في القيود مدى عدم انتظام النقص، فقد حددت منطقة ترانسبايكال مبيعات الوقود بـ15 لترًا لكل تعبئة.
وقيدت كالينينغراد مشتريات البنزين بـ30 لترًا والديزل بـ60 لترًا لكل خزان، وفرضت مدينة ساراتوف حدًا أقصى للبنزين قدره 30 لترًا حتى نهاية يونيو/حزيران المنصرم.
أما أومسك، فقد فرضت قيودًا على البنزين بـ40 لترًا والديزل بـ80 لترًا في 22 يونيو/حزيران، وهو ما أوضحه حاكم المنطقة بأنه يهدف إلى منع الشراء بدافع الذعر والمضاربة.
وفي شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول، تم تعليق مبيعات البنزين للأفراد تمامًا، مع تخصيص الكمية المتبقية لخدمات الطوارئ.
في غضون ذلك، ارتفعت أسعار التجزئة بنسبة 3% في أسبوع واحد، وهو أكبر ارتفاع أسبوعي منذ 20 عامًا على الأقل.
وقد صرّح نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك علنًا بأن النقص في المعروض هو مشكلة في الطلب وليس في العرض، عازيًا ذلك إلى زيادة الاستهلاك بنسبة تتراوح بين 20 و30%، حتى مع إقرار المسؤولين بأن إعادة التوازن إلى السوق ستستغرق وقتًا.

إدارة أزمة الوقود في روسيا
حتى أواخر يونيو/حزيران المنصرم، كانت إدارة الحكومة لأزمة الوقود في روسيا ذات طابع تقني في الغالب: حظر التصدير، وحصص البيع في البورصة، وأوامر التوزيع الإقليمي.
وتغير هذا الوضع في 28 يونيو/حزيران المنصرم، عندما عقد الرئيس فلاديمير بوتين مؤتمرًا صحفيًا مخصصًا حول تشبع سوق الوقود المحلي، وهو أول تعليق علني مطول له على أزمة الوقود في روسيا.
وأصدر بوتين تعليماته بضرورة أن يتجاوز إنتاج يوليو/تموز الجاري من أنواع الوقود الرئيسة مستويات يونيو/حزيران المنصرم، وأكد أن احتياطيات البنزين الحالية تقترب من مستويات العام الماضي، على الرغم من سحب بعض الاحتياطيات المخزنة سابقًا وطرحها في السوق.
وأقر بوتين بوجود نقص محلي، لكنه وصفه بأنه ضمن الحدود المقبولة، وعزا هذا الاضطراب إلى الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة، التي قال إنها تُسبب صعوبات يجري التعامل معها فور ظهورها.
في اليوم التالي، أمر نائب رئيس الوزراء الروسي بتشديد الرقابة الإقليمية على توزيع الوقود، ووافقت الحكومة على خفض مؤقت للحصة الإلزامية من البنزين التي يجب على المنتجين بيعها في بورصة السلع المحلية، من 15% إلى 10%، وهي خطوة تهدف إلى منح مصافي التكرير مزيدًا من المرونة في توجيه الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن موسكو تجري محادثات مكثفة مع دول لم يُفصح عن أسمائها بشأن استيراد المنتجات النفطية، للمساعدة في تحقيق التوازن في السوق المحلية.
وامتنع بيسكوف عن تحديد هذه الدول، مكتفيًا بالقول إن الاتصالات جارية وسيتوصل إلى اتفاق في حال الموافقة على أسعار مقبولة.
وأضاف بيسكوف أن أي واردات من هذا القبيل ستمثل خطوة إضافية نحو كبح جماح الارتفاع الحالي في الطلب، وأشار إلى أن نوفاك يراقب سوق الوقود بصورة يومية ومباشرة.
وتهرب بيسكوف من الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت موسكو تدرس تخفيضًا مؤقتًا لمعيار الوقود المحلي من 5 يورو (5.72 دولارًا) إلى 2 يورو (2.29 دولارًا) لتوسيع قاعدة الإمداد، محيلًا هذا السؤال إلى مكتب نوفاك.
تعقيد قازاخستان
كانت قازاخستان الدولة المرشحة الأكثر مراقبة فيما يتصل بالواردات الطارئة، وقد أصبحت الصورة هناك أكثر تعقيدًا وليست أبسط.
وذكرت وكالة رويترز أن موسكو وأستانا كانتا تناقشان ترتيب مبادلة تحصل بموجبه روسيا على 50 ألف طن من البنزين 92 أوكتان مقابل وقود الطائرات الروسي، الذي تحتاج إليه قازاخستان قبل إغلاق أعمال الصيانة في مصفاة أتيراو في يوليو/تموز الجاري.
من ناحيتها، نفت حكومة قازاخستان علنًا تلقي أي طلب رسمي، على الرغم من أن وزير الطاقة يرلان أكينجينوف لم يستبعد توريد البنزين إذا قدمت موسكو طلبًا.
وما زاد من تعقيد أي ترتيب من هذا القبيل أن قاعدة الإنتاج في قازاخستان استوعبت الأضرار الجانبية الناجمة عن الهجمات على الأراضي الروسية.
وأجبر هجوم بطائرة مسيرة على مصنع معالجة الغاز بمدينة أورينبورغ في 24 يونيو/حزيران المنصرم شركة كاز موناي غاز (KazMunaiGas) على تقليص الإنتاج في حقل كاراتشاجاناك، الذي يضم مساهميه شركتي شيفرون وشل.
ويعود ذلك إلى أن الغاز الخام من إنتاج كاراتشاجاناك يُعالج عبر الحدود في منشأة أورينبورج، كما أن استخراج النفط والغاز هناك مرتبطان ميكانيكيًاـ ويفرض خفض إنتاج الغاز خفضًا موازيًا في إنتاج النفط.
وأكد أكينجينوف خفض الإنتاج في 26 يونيو/حزيران، وبحلول 30 يونيو/حزيران المنصرم قال الرئيس التنفيذي لشركة كاز موناي غاز أسخات خاسينوف إن الإنتاج قد عاد جزئيًا إلى 28 ألف طن يوميًا، ارتفاعًا من المستوى المنخفض ولكنه ما يزال أقل من نحو 31 ألف طن أُنتج قبل الهجوم.
ويشكل هذا الحادث مثالًا واضحًا للطريقة التي تمتد بها تأثيرات الحرب في مجال الطاقة عبر الحدود الآن إلى ما هو أبعد من قطاع التكرير في روسيا، فتصل إلى حقل في آسيا الوسطى يستثمر فيه الغرب من خلال عنق زجاجة معالجة مشترك واحد.
غاز النفط المسال وتقلبات السوق
على الرغم من أن البنزين والديزل ما يزالان خاضعين لرقابةٍ صارمةٍ من خلال حظر التصدير وحصص التبادل، ظلّ غاز النفط المسال بمنأىً كبيرٍ عن الرقابة الإدارية، ما جعله المؤشر الأكثر حساسيةً وفوريةً لضغوط السوق الكامنة.
وارتفعت أسعار الغاز في بورصة سانت بطرسبرغ بنسبة 36% في الجزء الأوروبي من روسيا خلال شهر يونيو/حزيران المنصرم وحده، و60.5% منذ بداية العام، وفي سيبيريا وجبال الأورال بلغت الزيادة في يونيو/حزيران المنصرم 41%، مع ارتفاعٍ قدره 78% منذ بداية العام.
ويعزو المحللون الارتفاع الحاد إلى مجموعةٍ من العوامل: الصيانة الصيفية الدورية في مرافق معالجة الغاز، وازدحام السكك الحديدية الذي تسبب في توقف ناقلات غاز النفط المسال على خطوط السكك الجانبية.

وأُعطيت الأولوية لشحنات البنزين من الشرق إلى الغرب، وزيادة التخزين الاحترازي من قِبل التجار والمستهلكين الكبار الذين يخشون المزيد من اضطرابات العرض.
وأضاف إغلاق مضيق هرمز بُعدًا عالميًا، إذ عطّل مركزًا رئيسًا لإنتاج غاز النفط المسال في الخليج، وأدى إلى نقص حاد في الهند والصين، ما دفع المصدرين الروس إلى سد هذا النقص، دافعين بذلك أحجام الصادرات والأسعار المحلية إلى الارتفاع معًا.
وتشير التقارير إلى أن الشحنات إلى الصين وحدها زادت بنحو ضعفين ونصف في الأشهر الـ4 الأولى من عام 2026.
ويتوقع محللو القطاع أن يخف الضغط فقط بعد انتهاء أعمال الصيانة الموسمية واستئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز بصورة كاملة، وهو ما يُرجح أن يكون خلال المدة من أغسطس/آب إلى سبتمبر/أيلول المقبلين.
ألمانيا والحنين إلى الطاقة
تتزامن الأزمة الروسية الداخلية مع تصاعد حدة النقاش السياسي الأوروبي حول الطاقة الروسية بدلًا من انحساره.
واستغلت زعيمة الحزب أليس فايدل مقابلة مع وكالة رويترز لتأكيد ضرورة استئناف برلين شراء النفط والغاز الروسيين، مُصوِّرةً الطاقة الروسية الرخيصة بوصفها أساسًا للتنافسية الصناعية الألمانية، ومُحمِّلةً فقدانها مسؤولية سنوات من التراجع الاقتصادي وفقدان الوظائف في قطاع التصنيع.
ويلقى الطرح صدىً خاصًا في شرق ألمانيا، إذ سافر نائب رئيس الحزب ماركوس فرونماير إلى منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، والتقى الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم الروسية (Gazprom) أليكسي ميلر، ودعا إلى إعادة تشغيل خط أنابيب نورد ستريم المتضرر.
ومع اقتراب انتخابات ولايتي ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن، إذ يتصدر الحزب استطلاعات الرأي حاليًا، تكتسب رسالة الحنين إلى الطاقة أهمية انتخابية واضحة.
وأبدى المحللون الذين نُقلت تصريحاتهم إلى جانب تصريحات الحزب شكوكهم في أن هذا الموقف يعكس مسارًا واقعيًا بدلًا من كونه مجرد برنامج انتخابي.
وأوضح أحد المحررين في إحدى المجلات الروسية المتخصصة في شؤون الطاقة أنه من غير المرجح استئناف تشغيل خط أنابيب نورد ستريم أو استئناف إمدادات الغاز الروسي في المدى القريب.
ويُعزى ذلك إلى الجدول الزمني الذي حدده الاتحاد الأوروبي للخروج الكامل من سوق الغاز الروسي بحلول عام 2027، والتحرك الموازي نحو حظر استيراد النفط.
ورفض الائتلاف الحاكم في ألمانيا برئاسة المستشار فريدريش ميرتس موقف حزب البديل من أجل ألمانيا، معتبرًا إياه مجرد سردية لكسب الأصوات لا اقتراحًا سياسيًا جادًا، حتى مع إقراره بأن هذه الرسالة تجد صدىً في خضم أزمة حقيقية في تكلفة الطاقة.
بروكسل تغلق الباب
تأكدت صحة هذه الشكوك في غضون أيام، ففي 30 يونيو/حزيران المنصرم صرّحت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية آنا كايسا إيتكونن، بصورة قاطعة بأن استئناف واردات الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي لم يعد مطروحًا.
وأشارت إلى التشريعات السارية التي تمنع العودة إلى نموذج الإمداد السابق، بما في ذلك حظر عقود الغاز عبر خطوط الأنابيب قصيرة الأجل الذي دخل حيز التنفيذ هذا الشهر، مع مرحلتين إضافيتين من التشديد مقررتين في يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول من العام المقبل.
وأكدت إيتكونن أن الموقف على المستوى السياسي حازم بالقدر نفسه، إذ يعتزم الاتحاد الأوروبي التوجه إلى حظر كامل وتنويع مصادر الطاقة بدلًا من أي عودة جزئية إلى الطاقة الروسية.
والأمر الأهم بالنسبة لتوقعات الوقود الأحفوري هو ما سيحدث لاحقًا، فقد أكدت المفوضية أن قيودًا إضافية تستهدف النفط الروسي قيد الإعداد حاليًا بوصفها جزءًا من إطار عمل “إعادة تمكين الاتحاد الأوروبي” الأوسع، مع توقع تقديم اقتراح رسمي في الوقت المناسب.
ويحظى هذا التوجه بدعم من مزيج غير متوقع من الاستعجال والحذر داخل التكتل.
من جانبها، دعت دول البلطيق وبولندا المفوضية الأوروبية إلى الإسراع في فرض حظر تدريجي على واردات النفط الروسي، بحجة أن استمرار شراء الطاقة يُموّل الحرب، وأن المخاوف من أزمة طاقة أوسع نطاقًا في الشرق الأوسط لم تتحقق بالقدر الذي كان يُخشى منه سابقًا.
وفي الوقت نفسه، حذر رئيس ميناء بلباو الإسباني من أن التخلي المفاجئ عن الغاز المسال الروسي قد يجعل الاتحاد الأوروبي معتمدًا بصورة مفرطة على الإمدادات الأميركية، داعيًا إلى انتقال أكثر تدريجية.
وما يزال هدف الاتحاد الأوروبي العام هو التوقف التام عن استيراد الغاز الروسي بحلول نهاية عام 2027.
الصين والهند: أسواق تحمل العبء
في حال كانت قصة أوروبا هذا الأسبوع تُشير إلى إغلاق السوق، فإن قصة آسيا تُعدّ صورة معكوسة، وربما تكون أكثر أهمية من قصة أوروبا بالنسبة لمدى استدامة نموذج الوقود الأحفوري الروسي.
وصرّح نائب المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية ديمتري كيكو، لوكالة تاس، بأن الاقتصاد الصيني استوعب صدمة إغلاق مضيق هرمز تحديدًا، لأن إمدادات خطوط الأنابيب الروسية استمرت بالتدفق دون انقطاع طوال أزمة الشرق الأوسط.
ووصف ديمتري كيكو روسيا بأنها قناة موثوقة لتلبية احتياجات الصين من الطاقة حتى مع بقاء المضيق، الذي يمر عبره عادةً ما يقرب من ربع تجارة النفط العالمية وخُمس شحنات الغاز المسال، مغلقًا أمام السفن المرتبطة بالغرب.
واعتبر كيكو هذا الاستمرار دليلًا على أن علاقة الطاقة بين روسيا والصين صمدت في وجه الضغوط التي كانت الحكومات الغربية تأمل في أن تُضعفها، مُشيرًا إلى أن أحداث الشرق الأوسط أظهرت أن هذه العلاقة ليست في خطر.
وتؤكد أرقام شركة غازبروم -التي نُشرت في اجتماعها السنوي للمساهمين هذا الأسبوع- هذه الصورة، على الرغم من أن الوضع المالي العام للشركة يبدو أقرب إلى الدفاع منه إلى الانتصار.
ووافق المساهمون على تأجيل توزيعات الأرباح لعام 2025 لصالح سداد الديون، حتى مع بلوغ إيرادات عام 2025 مبلغ 9.77 تريليون روبل (127 مليار دولار)، وارتفاع صافي الربح وفقًا للمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية بنسبة 7% على أساس سنوي ليصل إلى 1.307 تريليون روبل، مدعومًا بقوة الروبل.
وارتفع التدفق النقدي الحر 8 أضعاف ليصل إلى 294 مليار روبل، وزاد التدفق النقدي التشغيلي بنسبة 24%، لكن الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك انخفضت بنسبة 6% لتصل إلى 2.917 تريليون روبل، في حين بقي إجمالي الدين ثابتًا عند 6.7 تريليون روبل.
(روبل روسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)
ووصف الرئيس التنفيذي أليكسي ميلر نسبة الرافعة المالية الناتجة البالغة 2.07 بأنها مريحة، لكنها تُشكل قيدًا واضحًا على إيرادات المساهمين.
ضمن هذه النتيجة الحذرة، برزت العلاقة مع الصين بصورة لافتة: فقد ارتفعت إيرادات مبيعات الغاز داخل روسيا بنسبة 8%، في حين ارتفعت إيرادات التوريد من الصين بنسبة 24.8%.
واستغل ميلر الاجتماع للإعلان عن خط تصدير جديد من الشرق الأقصى إلى الصين، من المقرر إطلاقه مطلع عام 2027، مستشهدًا بتقديرات صينية تشير إلى أن استهلاك الغاز هناك قد ينمو بنسبة 40% خلال العقد المقبل ليصل إلى أكثر من 600 مليار متر مكعب.
وبالنظر إلى الإطار السياسي الذي وضعه كيكو وتخصيصات رأس مال غازبروم، يتضح أن الصين هي الآن سوق النمو التي تدعم شركة تركز في الأساس على ضبط الديون، وأن موسكو تراهن على تعميق هذه العلاقة في تطوير بنيتها التحتية لخطوط الأنابيب بدلًا من تنويعها.
ويختلف دور الهند هذا الأسبوع اختلافًا جوهريًا. فبدلًا من كونها منفذًا للطلب بمنأى عن أزمة البنزين المحلية، أصبحت الهند موردًا محتملًا لها.
وصرّح إيغور يوشكوف، من الجامعة المالية وصندوق أمن الطاقة الوطني، لشبكة إم إس إن NSN بأن واردات روسيا من المنتجات النفطية ستأتي على الأرجح بصورة أساسية من الهند.
ويعود ذلك إلى العلاقات التجارية الراسخة والأسس التشريعية الموضوعة لآلية ضبط الأسعار، التي بموجبها ستعوض الدولة شركات النفط الروسية عن الفجوة بين الأسعار المحلية وأسعار السوق الهندية المرتفعة، مع تعيين مستوردين متخصصين، وحصة شركة روسنفط الحالية في مصفاة هندية توفر قناة تجارية جاهزة.
ويضيف يوشكوف أن الصين تمتلك قدرة تكرير فائضة مماثلة، ويمكنها في نهاية المطاف أن تُورّد، لكن الهند حاليًا هي الخيار الأنسب من الناحية اللوجستية، نظرًا لأن نقص روسيا يتركز في الجزء الأوروبي المتعطش للبنزين.
ويوضح أنه يمكن لشحنات ناقلات النفط الهندية الوصول إلى البحر الأسود أو بحر البلطيق بكفاءة أكبر، في حين أن الإمدادات الصينية ستكون أنسب لسيبيريا والشرق الأقصى، إذ لا يوجد نقص مماثل حاليًا.
ويأتي هذا التدفق العكسي المقترح جنبًا إلى جنب مع تدفق أمامي أكبر بكثير سجل رقمًا قياسيًا جديدًا.
وتُظهر بيانات تتبع السفن من مجموعة بورصة لندن (LSEG) وشركة كبلر (Kpler) أن المصافي الهندية استوردت ما يقرب من 2.70 مليون برميل يوميًا من النفط الخام الروسي في يونيو/حزيران المنصرم،
ويأتي ذلك بزيادة عن 2.13 مليون برميل يوميًا في مايو/أيار الماضي وفقًا لإحصاءات كبلر، أو 1.95 مليون برميل يوميًا وفقًا لإحصاءات مجموعة بورصة لندن، في حين ظل إجمالي واردات الهند من النفط ثابتًا تقريبًا عند نحو 4.9 مليون برميل يوميًا.
وقفزت حصة روسيا من سلة واردات الهند لتتجاوز 50% في يونيو/حزيران المنصرم، بعد أن كانت 36.5% في مايو/أيار الماضي، حيث اعتمدت مصافي التكرير الهندية بصورة أكبر على النفط الروسي لتعويض اضطراب إمدادات الخليج الناتج عن مضيق هرمز.
والنتيجة هي علاقة طاقة دائرية حقيقية تتشكل في الوقت الفعلي: تبيع روسيا للهند حصة قياسية من نفطها الخام حتى في الوقت الذي قد تشتري فيه قريبًا البنزين المكرر من نظام التكرير الهندي نفسه.
وهو تآزر أوضحه يوشكوف ويؤكد مدى إعادة ترتيب مضيق هرمز لمنطق تجارة الطاقة الروسية والهندية والصينية في غضون ربع واحد.
الضغوط على قطاع الوقود الروسي
تكشف تطورات الأسبوع عن قطاع الوقود الأحفوري الروسي الذي يتعرض لضغوط متزامنة من 4 مصادر مستقلة إلى حد كبير ولكنها تعزز بعضها بعضًا.
على الصعيد المحلي، أدت هجمات الطائرات الأوكرانية المسيرة إلى تعطيل جزء كبير من طاقة التكرير بالتزامن مع ذروة الطلب الصيفي، ما أجبر معظم أنحاء البلاد على ترشيد الاستهلاك ودفع الكرملين إلى تبني نهج إداري علني غير معتاد.
وشمل ذلك إحاطة رئاسية، وتشديد الرقابة على التوزيع، وتقليص صلاحيات بيع الغاز في البورصة بهدف زيادة المعروض في السوق المحلية.
أما على الصعيد الإقليمي، فلم يعد الضرر محصورًا داخل الحدود الروسية، حسب ما يتضح من تأثير هجوم أورينبورغ على حقل كاراتشاغاناك في قازاخستان، فالبنية التحتية المتكاملة لمعالجة الغاز، التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، وتربط إنتاج الطاقة في روسيا وآسيا الوسطى، أصبحت الآن قناة لنقل الاضطرابات.

وعلى الصعيد الخارجي، فإن السوق التي تعتمد عليها روسيا عادةً لاستيعاب فائض النفط الخام، وفي نهاية المطاف لاستئناف مبيعات الغاز، يُغلق فعليًا بدلًا من أن يُفتح، إذ استغلت بروكسل هذا الأسبوع نفسه لاستبعاد أي انتعاش في سوق الغاز والإشارة إلى أن النفط هو التالي.
وفي آسيا، فإن الصورة أقرب إلى التعويض منها إلى تفاقم الضغط، فتدفقات خطوط الأنابيب غير المنقطعة إلى الصين ومشتريات الهند القياسية من النفط الخام الروسي تستوعب الكميات التي لم تعد أوروبا تريدها، والتي لا يستطيع موردو الخليج المتضررون من أزمة مضيق هرمز توفيرها.
ويأتي ذلك حتى مع تفكير موسكو الآن في شراء البنزين المكرر مرة أخرى من النظام الهندي نفسه الذي تبيع فيه كميات قياسية من النفط الخام.
وتشير التقلبات السعرية الحادة في سوق غاز النفط المسال، الناجمة جزئيًا عن نقص حقيقي في الإمدادات وجزئيًا عن التخزين الاحترازي وسط النقص العالمي المرتبط بأزمة مضيق هرمز، إلى أن الأزمة قد تجاوزت مجرد أضرار ناجمة عن طائرات مسيرة لتتحول إلى تقييم المشاركين في السوق لاستمرار الاضطرابات.
وسيكون الاختبار الحاسم لمعرفة ما إذا كانت أهداف الإنتاج الحكومية لشهر يوليو/تموز الجاري، وحصة الصرف المخفضة، وأي اتفاقيات استيراد مع قازاخستان أو الهند، قادرة على إحداث انفراجة ملموسة قبل الخريف، هو ما إذا كان هذا الاضطراب سيظل موسميًا يمكن السيطرة عليه.
بدوره، يبذل الجانب الآسيوي من المعادلة جهودًا حقيقية لتعويض هذا الخروج، لكنه ليس بديلًا بلا تكلفة، فهو يترك إستراتيجية النمو في موسكو تعتمد على علاقتين، إحداهما تعتمد بصورة متزايدة على خطوط الأنابيب على استعداد الصين لمواصلة توسيع الاستهلاك، والأخرى تسير الآن في كلا الاتجاهين مع الهند.
ويأتي ذلك حيث بيع النفط الخام مع إمكان شراء البنزين مرة أخرى، وهو مستوى من الترابط كان من المستحيل تصوره في تكوين تجارة الطاقة الروسية قبل أزمة مضيق هرمز.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
نرشّح لكم..