أخبار

لماذا لم تنخفض أسعار النفط مع زيادة صادرات السعودية عبر هرمز؟ (تقرير)

لم تشهد أسعار النفط التراجع المتوقع، على الرغم من زيادة السعودية صادراتها النفطية عبر مضيق هرمز بصورة كبيرة خلال سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع زيادة شحنات دول خليجية أخرى والعراق، إذ ظل خام برنت فوق حاجز 100 دولار للبرميل وسط استمرار مخاطر الإمدادات.

وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن صادرات السعودية النفطية عبر هرمز بلغت مستويات مرتفعة مؤخرًا، مشيرًا إلى أن صادرات المملكة تقترب من 80% من مستويات ما قبل الأزمة. وتؤكد بيانات حديثة وصول صادرات الشرق الأوسط إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحرب في فبراير/شباط، لكنها ما تزال دون مستويات ما قبل الأزمة.

وأشار إلى أن دول الخليج الأخرى زادت صادراتها أيضًا، خصوصًا الإمارات والعراق والكويت، في حين ارتفعت صادرات قطر من الغاز المسال، بما يعكس حركة واسعة عبر المضيق، إلّا أن هذه الزيادة لم تكن كافية وحدها لدفع أسعار النفط نحو هبوط كبير ومستدام.

ويرى الحجي أن أسعار النفط لم تنخفض بصورة ملحوظة لأن السوق فقدت في المقابل كميات مهمة من الإمدادات الروسية، خاصةً مع تراجع صادرات الخام والمنتجات النفطية، ما جعل جزءًا من الزيادة الخليجية يعوّض نقصًا آخر في السوق العالمية.

جاءت تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي “أنسيات الطاقة”، الذي يقدّمه في مساحات منصة التواصل الاجتماعي “إكس”، وجاءت بعنوان: “ما تأثير زيادة السعودية لصادراتها النفطية؟ وما الخيارات المتاحة أمام ترمب قبيل الانتخابات؟”.

صادرات الخليج

أوضح أنس الحجي أن بيانات حديثة تظهر أن أسعار النفط ظلّت مدعومة رغم تعافي صادرات الخليج؛ فقد بلغت صادرات الخام من كبار منتجي الشرق الأوسط نحو 16.328 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر/أيلول، لكنها بقيت أقل بنحو 3.2 مليون برميل يوميًا من مستويات فبراير/شباط.

وقال، إن صادرات السعودية النفطية ارتفعت إلى مستويات هي الأعلى منذ بداية الأزمة، مؤكدًا أن المملكة زادت تدفقات الخام عبر هرمز، بالتزامن مع ارتفاع صادرات الإمارات والعراق والكويت، بما يعكس تحسنًا واضحًا في حركة الناقلات بالمنطقة خلال الآونة الأخيرة.

وبحسب الحجي، تشير بيانات كبلر إلى أن صادرات السعودية النفطية المتوقعة خلال سبتمبر/أيلول بلغت نحو 5.4 مليون برميل يوميًا، مقابل 2.446 مليون برميل يوميًا في أغسطس/آب، في حين ارتفعت شحنات رأس تنورة بصورة كبيرة، رغم بقائها دون مستويات فبراير/شباط.

لكن -وفق أنس الحجي- أسعار النفط لم تتفاعل مع هذه الزيادة بوصفها إضافة صافية كاملة إلى المعروض العالمي، إذ ما تزال تدفقات المنطقة أقل من مستويات ما قبل الحرب، كما أن ارتفاع مخاطر النقل والتأمين واستمرار الاضطرابات في ممرات الشحن يحدّ من أثر زيادة الصادرات.

ولفت إلى أن صادرات السعودية النفطية عبر مضيق هرمز ليست العامل الوحيد الذي يحدد حركة الأسعار، مشيرًا إلى ضرورة النظر بالتزامن إلى صادرات روسيا، التي تعرضت لضغوط نتيجة الهجمات على المصافي والمنشآت والموانئ، وهو ما حدّ من الزيادة الفعلية للمعروض.

وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن صادرات المنتجات النفطية والغاز المسال من المنطقة ما تزال أقل بكثير من مستويات فبراير/شباط، في حين أدت اضطرابات منظومة التكرير الروسية إلى تفاقم نقص المنتجات، خصوصًا الديزل، ما أبقى السوق العالمية في حالة ضيق نسبي.

وأضاف: “الصورة الكاملة لسوق الخام لا تظهر بمجرد متابعة حركة ناقلات الخليج، لأن السؤال الأهم يتعلق بحجم الإمدادات التي وصلت إلى المشترين والمواني الآسيوية، وليس فقط الكميات التي غادرت مناطق الإنتاج”.

روسيا تعوض جزءًا من الزيادة الخليجية

يربط أنس الحجي جانبًا مهمًا من حركة أسعار النفط بتراجع صادرات روسيا، موضحًا أن الصادرات الروسية من البحر الأسود انخفضت بنحو مليون برميل يوميًا وفق تقديراته، وهو ما جعل زيادة الإمدادات الخليجية تعوّض جزءًا من الكميات المفقودة بدل أن تتحول بالكامل إلى فائض جديد.

وأضاف أن الهجمات الأوكرانية على المصافي والمنشآت النفطية وموانئ التصدير الروسية أسهمت -وفق قراءته- في تقليص الإمدادات الروسية، موضحًا أن هذا التطور ينعكس مباشرة على توازن السوق، خصوصًا مع استمرار الطلب العالمي على الخام والمنتجات النفطية.

وتُظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن صادرات المنتجات النفطية الروسية تضررت بشدة بعد تكثيف الهجمات على منظومة التكرير، ما أدى إلى انخفاض كبير في تدفقات المنتجات، وجعل النقص الروسي عاملًا إضافيًا في دعم السوق العالمية.

صادرات النفط الروسي

ويشرح أنس الحجي أن أسعار النفط تتأثر هنا بعملية إحلال بين مصادر الإمداد، فحين ترتفع صادرات السعودية والإمارات والعراق من جهة، وتتراجع صادرات روسيا من جهة أخرى، فإن جزءًا من الزيادة الخليجية يحلّ محلّ الكميات الروسية المفقودة بدل أن يضيف فائضًا كاملًا إلى السوق.

ويطرح الحجي تفسيرًا أوسع للضغوط التي تواجهها صادرات روسيا، إذ يرى أن موسكو حاولت بعد العقوبات الغربية تنويع منافذ بيع النفط والغاز، وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على الصين أو الهند بوصفهما سوقين رئيستين.

ويقول، إن روسيا اتجهت في قطاع الغاز إلى تطوير قدرات إسالة الغاز الطبيعي، بهدف الوصول إلى أسواق بعيدة لا ترتبط بشبكة خطوط الأنابيب الروسية، في حين سعت إلى زيادة قدرات التكرير بقطاع النفط لتصدير المنتجات إلى دول تفتقر للمصافي.

وبحسب رؤية الحجي، فإن أسعار النفط تأثرت أيضًا بالصراع على مسارات التصدير، إذ يرى أن استهداف المصافي والمواني الروسية يعرقل استراتيجية موسكو لتنويع منافذها، ويحدّ من قدرتها على تحويل الخام إلى منتجات قابلة للتصدير إلى أسواق جديدة.

لماذا لم تظهر الزيادة الخليجية كاملة في الأسعار؟

يرى أنس الحجي أن جزءًا من الإجابة يرتبط بكون كميات إضافية من النفط الخليجي ما تزال في البحر ولم تصل إلى وجهاتها النهائية، ومن ثم فإن زيادة الصادرات المسجلة لا تعني بالضرورة وصول الكميات نفسها إلى المصافي والمخزونات في آسيا.

وتابع: “تشير بيانات السوق إلى أن صادرات الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز ارتفعت بقوة خلال سبتمبر/أيلول، لكنها ظلت أقل من مستويات ما قبل الأزمة، في حين بلغت التدفقات عبر المضيق نحو 9.719 مليون برميل يوميًا وفق تقديرات كبلر الأولية”.

مضيق هرمز
مضيق هرمز – الصورة من المعهد البحري الأميركي

ويعني ذلك -وفق أنس الحجي- أن أسعار النفط لا تستجيب فورًا لأيّ زيادة في حركة الناقلات، لأن السوق تحتاج إلى التأكد من استمرار التدفقات، ووصول الشحنات إلى المشترين، وانخفاض المخاطر المرتبطة بالتأمين والنقل والممرات البحرية.

وأردف: “تظل أسعار النفط مرتبطة كذلك بمستوى المخزون العالمي وتوافر المنتجات المكررة، وليس الخام وحده، إذ تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن صادرات الديزل والغازويل من دول الخليج كانت في أغسطس/آب عند نحو ربع مستويات ما قبل الحرب”.

ويؤكد الحجي أن أسعار النفط يمكن أن تبقى مرتفعة حتى مع تحسُّن الصادرات الخليجية إذا استمرت خسائر المنتجات النفطية الروسية، أو ظلت المخزونات منخفضة، أو بقيت المخاطر الجيوسياسية ماثلة أمام حركة الناقلات في مضيق هرمز والممرات البديلة.

وفي هذا الإطار، يخلص الحجي إلى أن أسعار النفط تحتاج إلى أكثر من مجرد زيادة مؤقتة في صادرات السعودية ودول الخليج، إذ يتطلب الهبوط المستدام استقرار حركة التجارة، ووصول الإمدادات إلى المستهلكين، وتراجع المخاطر الجيوسياسية، واستعادة قدر أكبر من طاقة التكرير.

وتبقى الصورة مرهونة باستمرار تدفقات الخام عبر هرمز، وقدرة السعودية ودول الخليج على الحفاظ على مستويات التصدير المرتفعة، إلى جانب تطورات صادرات روسيا وأوضاع المصافي العالمية، وهي عوامل ستحدد اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة.

نرشّح لكم..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

اترك تعليقاً

إغلاق