أخبار
خريطة صادرات الطاقة الروسية.. الصين تفرض الأسعار والقطب الشمالي يفك الاختناق (مقال)

اقرأ في هذا المقال
- قطاع الوقود الأحفوري الروسي تحول إلى نظام لإعادة توجيه المسارات
- نحو 4 أخماس صادرات النفط الخام الروسي تتركز بين الصين والهند
- الهيدروكربونات الروسية ما تزال تصل إلى الأسواق العالمية وبكميات متزايدة
- قبل أزمة العقوبات كانت روسيا تشحن نحو 175 مليون طن من النفط إلى أوروبا
تشهد صادرات الطاقة الروسية عراقيل تقنية وتجارية مختلفة، إذ إن قدرة موسكو على تحديد الأسعار تواصل التآكل.
وتتمثل المشكلة في أن قطاع الوقود الأحفوري الروسي لم يعد مجرد نشاط تصديري بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى نظام لإعادة توجيه مسارات النفط والغاز الروسيين.
ويأتي ذلك حيث تقطع الشحنات نفسها مسافات أطول، وتمر عبر وسطاء أكثر، لتصل إلى عدد أقل من المشترين وبأسعار متدنية، وتشير المعطيات الواردة خلال الأسبوع الماضي إلى اتجاه واحد، تقديرات شركة روسنفط (Rosneft) لخسائرها، وتعثر مفاوضات خط الأنابيب مع الصين.
ويضاف إلى ذلك تسجيل مستويات قياسية في إنتاج الغاز المسال من القطب الشمالي، وعمليات نقل الشحنات عبر “ناقلات الظل” في بحر اليابان، ومذكرة تفاهم مرتقبة بين روسيا والهند بشأن القطب الشمالي، وأهداف جديدة لتوسيع شبكة الغاز المحلية، وعملية تدقيق أوروبية حاسمة.
تعافي أحجام صادرات الطاقة الروسية
على الرغم من تعافي أحجام صادرات الطاقة الروسية والإعلان عن ممرات جديدة، فإن قدرة موسكو على تحديد الأسعار تواصل التآكل.
ويكمن جوهر التحليل في التمييز بين التنويع والتركيز، فالتنويع كان سيوفر لروسيا المزيد من المشترين والمسارات وقوة تفاوضية أكبر، غير أن ما يتشكل فعليًا هو حالة من التركيز.
ويتركز نحو 4 أخماس صادرات النفط الروسي بين الصين والهند، كما أن مشروعًا للغاز المسال في القطب الشمالي -يخضع للعقوبات- يعتمد على عميل واحد فقط، في حين تعثر مشروع خط أنابيب الغاز الرئيس إلى الصين بسبب الخلاف حول السعر.
في غضون ذلك، تُطور الممرات البحرية في القطب الشمالي وشبكة الغاز المحلية لتكون بمثابة صمامات لتصريف الكميات التي لم يعد بالإمكان توجيهها غربًا، وليس بوصفها بدائل للسوق التي فقدتها روسيا.
من جانبها، تواجه أوروبا الوجه الآخر لهذه المشكلة، فهي تتخلى عن الطاقة الروسية “على الورق” بوتيرة أسرع من بنائها لبدائل فعلية على أرض الواقع، وهو ما تؤكده حاليًا تقارير المدققين الأوروبيين.
والنتيجة هي مثلث من الاعتماد المتبادل، إذ يعتقد كل طرف أن الزمن يعمل لصالحه، وتتزايد تكاليف كل موقف، وإن كان ذلك بوتيرة متفاوتة.
وبالنسبة إلى مجالس الإدارة والمستثمرين وصناع السياسات، فإن السؤال الجوهري ليس عما إذا كانت صادرات الطاقة الروسية ما تزال تصل إلى الأسواق العالمية، فهي تصل بالفعل وبكميات متزايدة.
ويتمثل السؤال الجوهري فيمن يحدد شروط هذه التجارة الآن؟ وما الثمن الذي تدفعه موسكو للوصول إلى الأسواق؟ وأين تستقر تكاليف إعادة توجيه مسارات صادرات الطاقة الروسية؟
تكلفة توجه روسيا شرقًا
حدد الرئيس التنفيذي لشركة روسنفط إيغور سيتشين تكلفة توجه روسيا شرقًا، فوفقًا لتقديراته وفرت الصين ما يقرب من 27 مليار دولار من تكلفة النفط الروسي منذ عام 2022، مقارنةً بمشترياتها من الشرق الأوسط.
وقبل أزمة العقوبات كانت روسيا تشحن نحو 175 مليون طن من النفط إلى أوروبا، لكن هذا الرقم انخفض بحلول عام 2025 إلى 25 مليون طن فقط من إجمالي صادرات بلغ 238 مليون طن، إذ استحوذت الصين والهند على نحو 80% منها.
وتشتري الصين وحدها أكثر من 100 مليون طن سنويًا، أي ما يزيد على 40% من الصادرات الروسية، كما سجلت روسيا حصة قياسية بلغت 23% من واردات الصين النفطية في الأشهر الـ7 الأولى من عام 2026.
وتُعزز المسارات المادية هذا الوضع، إذ يربط خط أنابيب إسبو (ESPO) عبر فرع “سكوفورودينو-موهي” وميناء “كوزمينو” الخام الروسي مباشرة بمصافي التكرير الصينية.
وفي شهر يوليو/تموز الماضي، شكل خام إسبو 74% من الخام الروسي المنقول بحرًا والمُفرغ في الصين.
في المقابل، تواجه شحنات خام الأورال القادمة من بحري البلطيق والأسود رحلات طويلة تجعلها عرضة لتكاليف الشحن والعقوبات، ففي شهر أغسطس/آب المنصرم أدى ارتفاع تكاليف الشحن إلى خفض سعر التصدير الروسي بنحو 5 دولارات للبرميل.
وتستغل بكين هذا الوضع، الذي يضمن لها إمدادات ثابتة دون أن تكون هي نفسها رهينة لتبعية مماثلة، إذ يمكن لمصافي التكرير الصينية الحصول على الخام من الشرق الأوسط والبرازيل وكندا وأفريقيا وإيران.
وعلقت الشركات المملوكة للدولة عمليات الشراء الفوري عقب فرض عقوبات على شركتي روسنفط ولوك أويل (Lukoil)، ولم تستأنفها إلا بعد زيادة معدلات الخصم.
وتحركت شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) لتشغيل منشأة بقدرة 200 ألف برميل يوميًا في “داليان”، عندما كان سعر خام إسبو يقل بمقدار 11 دولارًا عن سعر الخام البرازيلي.
وبرزت قوة الصين التفاوضية بوضوح أكبر بعد انكماش الطلب الهندي في أوائل عام 2026، وعجز مصافي التكرير التركية عن استيعاب الفائض.
واتسع فارق السعر بين خامي إسبو وبرنت ليصل إلى نحو 9 دولارات، وتداول خام الأورال بسعر يقل بنحو 12 دولارًا، مع توقعات بمفاوضات جديدة حول خصم يقترب من 15 دولارًا.
ويصف التجار خيار موسكو بأنه يتأرجح بين التنازل عن مبلغ إضافي -يتراوح بين دولارين و5 دولارات للبرميل- وخفض الإنتاج.
الخصم على سعر خام الأورال
في شهر أغسطس/آب المنصرم، وصل الخصم على سعر خام الأورال في المواني الروسية مقارنة بخام برنت إلى ما بين 26 و27 دولارًا للبرميل، وهو فارق سعري يغطي تكاليف النقل والتأمين ومدفوعات أسطول الظل ومخاطر العقوبات، فضلًا عن هامش ربح المشتري.
وافترضت الموازنة الفيدرالية لعام 2026 سعرًا لخام الأورال يبلغ 59 دولارًا، في حين حام متوسط السعر في الربع الأول حول 39 دولارًا.
وانخفضت إيرادات النفط والغاز بنسبة 22.7% في النصف الأول لتصل إلى 3.66 تريليون روبل (43 مليارًا و920 مليون دولار)، كما خفضت الحكومة توقعاتها للإنتاج إلى 494.2 مليون طن، وهو أدنى مستوى منذ عام 2009، وبذلك تخسر موسكو على صعيد سعر البرميل وعدد البراميل الخاضعة للضريبة.
*(الروبل الروسي = 0.012 دولارًا أميركيًا).

صادرات روسيا إلى الصين
لا يقتصر الاعتماد المتبادل على النفط، فقد زودت روسيا الصين بنحو 30% من وارداتها من الغاز الطبيعي في عام 2025، ونحو خُمس وارداتها من الفحم، ومعظم احتياجاتها من اليورانيوم المخصب.
وتتجاوز قيمة التجارة الثنائية 200 مليار دولار، ويشير الرئيس التنفيذي لشركة روسنفط إيغور سيتشين إلى أن عمليات التسوية المالية باتت بالكامل تقريبًا بالروبل واليوان، وإن كانت ترتيبات المقاصة ما تزال في حاجة إلى مزيد من التعديل.
وتُظهر مفاوضات الغاز التفاوت ذاته ولكن بأرقام أكثر حدة، فوفقًا لصحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست لم يسفر الاجتماع -الذي عُقد في 31 أغسطس/آب المنصرم بين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك- عن أي تقدم بشأن مشروع خط أنابيب “باور أوف سيبيريا 2”.
وتفيد التقارير بأن بكين مهتمة بشراء الغاز بسعر يقارب 50 دولارًا لكل ألف متر مكعب (وهو السعر المدعوم للاستهلاك المنزلي في روسيا)، أو بسعر يتراوح بين 120 و130 دولارًا (وهو السعر المطبق على القطاع الصناعي المحلي).
من ناحيتها، تطالب موسكو بسعر يتراوح بين 250 و260 دولارًا، وهو ما يماثل التعرفة المطبقة على خط “باور أوف سيبيريا ” الأصلي.
ويرى الخبراء أن تغيير وزير الطاقة سيرغي تسيفيليف لاسم المسار ليصبح “باور أوف بايكال” يندرج في إطار الرسائل الموجهة للجمهور المحلي، في حين تواصل بكين الانتظار مستندة إلى موقف تفاوضي أقوى.
وكان نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك قد صرح في أوائل سبتمبر/أيلول الجاري بأن الجانبين ما يزالان يسعيان للتوصل إلى حل وسط بشأن شروط الإمداد والمسار والسعر.
إزاء ذلك، تعيد موسكو تنظيم إستراتيجيتها الجغرافية في الشرق لتتمحور حول السوق الصينية، فوفقًا للتصميم المقترح سيمتد خط الأنابيب إلى مسافة تناهز 2600 كيلومتر عبر منغوليا، وسينقل ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.
وأسفر منتدى الشرق الاقتصادي في مدينة فلاديفوستوك عن إبرام 328 اتفاقية بقيمة تقارب 6.815 تريليون روبل، تصدّرها مشروع ممر “موهي-نايبا” البالغة تكلفته 1.13 تريليون روبل، ويجمع بين معبر حدودي مع الصين وميناء للمياه العميقة وشبكة سكك حديدية جديدة تمتد لنحو 2900 كيلومتر.

تجدر الإشارة إلى أن “المنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى” تضم 5.4% من سكان روسيا، على الرغم من أنها تشغل 40.6% من مساحة البلاد، كما أن عدد السكان فيها انخفض بنسبة 3.4% منذ عام 2018.
في الوقت الذي تتعثر فيه مشروعات خطوط الأنابيب، تتوسع عمليات الشحن الخاضعة للعقوبات.
وأفادت وكالة بلومبرغ بأن مشروع “أركتيك إل إن جي 2” -الذي تديره شركة نوفاتك (Novatek) ويخضع لعقوبات أميركية- أنتج أكثر من 27 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، وهو ما يقارب ضعف المستوى المسجل في أغسطس/آب 2025.
ونما أسطول المشروع ليصل إلى 20 سفينة على الأقل، معظمها ذات هياكل ملكية غامضة، مقارنة بـ11 سفينة فقط في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وتجاوزت الصادرات حاجز الـ500 ألف طن في كلا الشهرين، إذ كانت الصين المشتري الوحيد للشحنات الخاضعة للعقوبات.
وتُعد هذه المحطة ركيزة أساسية لطموح روسيا الرامي إلى مضاعفة إنتاجها من الغاز المسال 3 مرات بحلول عام 2030، وهو هدف أدت العقوبات إلى تأخير تحقيقه.
فيلينا تشاكاروفا متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
نرشّح لكم..