أخبار

الطاقة المتجددة في مصر.. كيف تدعم النمو الاقتصادي وتخفض تكلفة الإنتاج؟

يشهد قطاع الطاقة المتجددة في مصر توسعًا متزايدًا، في إطار جهود الدولة لتنويع مزيج الطاقة وتعزيز الاعتماد على المصادر المحلية، ودعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.

ويأتي هذا التوجه في ظل تنامي الطلب على الطاقة، والحاجة إلى خفض تكلفة الإنتاج وتعزيز تنافسية القطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يعزز دور الطاقة المتجددة في دعم النمو الاقتصادي وفتح مجالات جديدة للاستثمار وتوفير المزيد من فرص العمل.

ولا يقتصر دور الطاقة المتجددة على إنتاج الكهرباء النظيفة وخفض الانبعاثات، إذ تمتد آثارها إلى الصناعة والزراعة والنقل والخدمات، فضلًا عن جذب الاستثمارات ودعم سلاسل التوريد المحلية.

كما تفتح مشروعات طاقتي الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر وتخزين الكهرباء مجالات جديدة أمام الاقتصاد المصري، بما يعزز فرص التصدير ويرفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.

جاءت هذه الرؤية خلال ندوة افتراضية بعنوان “استعمالات الطاقة المتجددة ودورها في ازدهار الحياة الاقتصادية في مصر”، بمشاركة الخبيرة في مجال حماية وتحسين البيئة الصناعية والطاقة والاستدامة البيئية الدكتورة أحلام فاروق.

وتأتي الندوة -التي شاركت في تغطيتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- ضمن فعاليات المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي “الطريق إلى أنطاليا COP31”.

تستهدف المبادرة تسليط الضوء على دور التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة في دعم التحول الاقتصادي والبيئي، ورفع الوعي بأهمية الحلول المستدامة في مواجهة تحديات تغير المناخ، بالتزامن مع الاستعدادات لمؤتمر المناخ (كوب 31).

أهمية الطاقة المتجددة لمصر

استعرضت الدكتورة أحلام فاروق أهمية الطاقة المتجددة لمصر، إذ تُمثّل إحدى الركائز الأساسية لازدهار الحياة الاقتصادية، مشيرةً إلى دورها في بناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة، ودعم الصناعة والزراعة والنقل ومختلف الأنشطة الاقتصادية.

وقالت، إن اهتمام مصر بالطاقة المتجددة لا يعود إلى الأعوام الأخيرة، وإنما بدأ منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى إستراتيجية وطنية واضحة في أوائل الثمانينات.

وأضافت أن الإطار المؤسسي لهذا التوجّه بدأ بصورة أكثر وضوحًا عام 1986 مع إنشاء هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، مبيّنةً أن الدولة بدأت في مراحل مبكرة دراسة واستغلال مواردها الطبيعية من طاقتي الشمس والرياح كونهما ثروة طبيعية تتمتع بها البلاد.

وتشمل التطبيقات الأولى للطاقة المتجددة في مصر استعمال الخلايا الشمسية في ضخ المياه لأغراض الري، والاستفادة من الغاز الحيوي الناتج عن المخلّفات الزراعية، إلى جانب تنفيذ تطبيقات أولية لطاقة الرياح.

الطاقة النظيفة في مصر

شهدت مسيرة تطوير الطاقة النظيفة في مصر تقدمًا تدريجيًا، من خلال إنشاء أولى محطات طاقة الرياح في رأس غارب عام 1988، ثم محطة أخرى في الغردقة عام 1992، قبل أن ينتقل الاهتمام من المشروعات التجريبية إلى تنفيذ مشروعات ذات طابع تجاري بمشاركة وتعاون دوليين.

وترتبط التنمية الاقتصادية بصورة وثيقة بالطاقة؛ كونها المحرك الرئيس للصناعة والزراعة والنقل والخدمات ومختلف الأنشطة الاقتصادية، في وقت يتزايد فيه الطلب على الطاقة مع التقدم الاقتصادي والتكنولوجي وتحسن مستويات المعيشة، بحسب الدكتورة أحلام فاروق.

ويستهدف التوجه نحو التوسع في الطاقة المتجددة في مصر تقليل الاعتماد على النفط والغاز، الذي يمثّل أحد المصادر الرئيسة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

تقول الدكتورة أحلام فاروق، إن أهمية الطاقة النظيفة لا تقتصر على كونها بديلًا منخفض الانبعاثات، بل أصبحت محركًا حقيقيًا للتنمية الاقتصادية، موضحة أن مشروعات الطاقة المتجددة في مصر تسهم في زيادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل.

وأضافت أن تنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية -على سبيل المثال- يحتاج إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التمويل والتصنيع والنقل والتركيب والتشغيل والصيانة.

خفض تكلفة الإنتاج

أكدت الدكتورة أحلام فاروق أن استعمال الطاقة النظيفة في مصر في المنشآت الصناعية لا يقتصر على خفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل ينعكس مباشرةً على تكلفة الإنتاج والقدرة التنافسية وفرص التصدير والاستثمار.

وقالت، إن المنشأة التي تعتمد على الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح يمكنها تحقيق خفض في تكلفة الإنتاج على المدى الطويل، إلى جانب تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات.

وأضافت أن استعمال المنشآت الصناعية للطاقة الشمسية أو طاقة الرياح لا يقتصر على خفض انبعاثات الكربون وتقليل الاعتماد على المازوت والسولار والفحم، بل يسهم -أيضًا- في تعزيز قدرتها التنافسية، ويدعم فرصها في التصدير وجذب الاستثمارات وتحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلى.

وأوضحت أن تكلفة مشروعات الطاقة المتجددة في مصر قد تبدو مرتفعة نسبيًا في البداية، نتيجة عوامل من بينها التكنولوجيا المستعملة والتمويل والربط بالشبكة أو أنظمة التخزين وموقع المشروع.

ويمكن أن يساعد توافر آليات التمويل والمبادرات البيئية، المنشآت على تنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة، لافتةً إلى وجود جهات ومؤسسات تمويلية وبرامج داعمة يمكن أن تساعد القطاع الصناعي في تمويل مشروعات التحول البيئي.

وشددت “فاروق” على أهمية اتجاه المنشآت المصرية بصورة أكبر إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة، لما لذلك من آثار اقتصادية وبيئية مباشرة.

منظومة استثمارية متكاملة

لا تُمثّل الطاقة المتجددة في مصر مجرد مشروعات لإنتاج الكهرباء، وإنما منظومة واسعة من الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية تشمل الإنشاءات والهندسة والتصنيع وتركيب المعدّات والتشغيل والصيانة والبرمجيات والتخزين والاستشارات والتدريب.

وتسهم هذه المنظومة في خلق فرص العمل، سواء من خلال تشغيل المصانع والشركات أو توفير فرص للمهندسين والفنيين والعاملين في مختلف مراحل تنفيذ وتشغيل مشروعات الطاقة المتجددة، وفقًا للدكتورة أحلام فاروق.

وأضافت أن مجمع بنبان للطاقة الشمسية يمثّل نموذجًا واضحًا لهذه المنظومة، موضحةً أن المشروع بدأت خطواته في عام 2015، وتبلغ قدرته حاليًا نحو 1.8 غيغاواط، كما أسهم خلال مرحلة الإنشاء في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل، إلى جانب الوظائف المرتبطة بالتشغيل والخدمات.

وأكدت أن أهمية مجمع بنبان تتجاوز قدرته الإنتاجية، إذ أسهم في خلق قيمة مضافة للاقتصاد، وتوفير فرص عمل، وتطوير الخبرات المحلية، ودعم سلاسل التوريد، بما يجعله نموذجًا بارزًا لدور مشروعات الطاقة المتجددة في مصر في تحقيق عوائد اقتصادية تتجاوز مجرد إنتاج الكهرباء.

وأشارت إلى أن مشاركة القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية في مشروعات الطاقة المتجددة تُمثّل عاملًا مهمًا في توسيع قاعدة الاستثمار ودعم الاقتصاد المصري.

الاقتصاد الأخضر

يأتي التوسع في الطاقة المتجددة ضمن توجُّه الدولة نحو مشروعات الاقتصاد الأخضر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ يرتبط هذا التحول بصورة مباشرة بالحفاظ على البيئة وصحة المواطنين.

وتشير الدكتورة أحلام فاروق إلى عدد من نماذج المشروعات الخضراء في مصر، من بينها المشروعات التمويلية التي تعتمد على السندات الخضراء، ومشروعات الطاقة المتجددة مثل مجمع بنبان ومحطات طاقة الرياح في خليج السويس، إلى جانب مشروعات النقل الأخضر، ومنها القطار الكهربائي ومشروعات المونوريل.

وأكدت أن ضخ الاستثمارات في هذه المشروعات يحقق عائدًا يتجاوز مجرد تنفيذ البنية التحتية، إذ يسهم في رفع القيمة الاقتصادية والتنافسية لمصر وتعزيز مكانتها إقليميًا ودوليًا.

وأوضحت أن مفهوم الاقتصاد الأخضر يرتكز على خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استعمال الموارد، بما يشمل الطاقة والمياه والمواد الخام، إلى جانب الاعتماد على التكنولوجيا النظيفة.

جانب من فعاليات ندوة افتراضية حول دور الطاقة المتجددة في مصر في دعم الاقتصاد
جانب من فعاليات الندوة التي شاركت فيها منصة الطاقة

وأضافت أن مفهوم الاقتصاد الدائري يركّز على تقليل المخلّفات وإعادة الاستعمال وإعادة التدوير واسترداد الموارد والطاقة من المخلّفات المناسبة، بما يسهم في الحدّ من استنزاف الموارد الطبيعية.

وقالت “فاروق”، إن الهدف الأساس يتمثل في الانتقال من نموذج يقوم على استهلاك الموارد وإنتاج المخلّفات إلى نموذج يعتمد على الاستعمال الكفء للموارد واستردادها وإعادة استعمالها، بما يدعم الاستدامة ويحقق فوائد اقتصادية وبيئية واجتماعية.

خفض الانبعاثات

تؤدي الطاقة المتجددة دورًا مهمًا في دعم القطاع الصناعي، لا سيما من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتعزيز كفاءة استعمال الطاقة.

ويمكن للمنشآت الصناعية الاستفادة من الطاقة الشمسية مباشرةً من خلال تركيب الخلايا الشمسية على أسطح المنشآت أو المزارع، وربطها بالعاكسات الكهربائية (Inverters)، لاستعمال الكهرباء المولدة في تشغيل المحطات والمعدّات.

“إن هذا الاستعمال يمثّل أحد الحلول العملية التي يمكن للمنشآت الصناعية الاعتماد عليها لزيادة مساهمة الطاقة النظيفة في احتياجاتها من الكهرباء، بالتوازي مع الإجراءات والمبادرات الحكومية الرامية إلى دعم التحول نحو الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات” بحسب ما قالت الدكتورة أحلام فاروق خلال الندوة.

وشددت على أهمية التوسع في تطبيقات الطاقة المتجددة داخل القطاع الصناعي، كونها أداة لتحقيق أهداف بيئية واقتصادية في الوقت نفسه، وعلى رأسها خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتحسين كفاءة استعمال الطاقة، وتعزيز تنافسية الصناعة المصرية.

واختتمت مشاركتها في الندوة بالتأكيد على أن التحول إلى الطاقة المتجددة لا ينبغي النظر إليه بصفته هدفًا بيئيًا فقط، بل بصفته مسارًا اقتصاديًا متكاملًا يدعم خفض تكلفة الإنتاج، ورفع تنافسية الصناعة، وخلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وزيادة فرص التصدير.

وأكدت أن التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، بالتوازي مع تطوير تخزين الطاقة والهيدروجين الأخضر وإزالة الكربون من القطاعات كثيفة الاستهلاك، يمكن أن يمثّل أحد المسارات المهمة أمام مصر لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، مع الحفاظ على البيئة وتحسين صحة المواطنين.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

اترك تعليقاً

إغلاق