أخبار
خبير: إنتاج الهيدروجين النقي يفتح آفاقًا جديدة للطاقة الشمسية المركزة

يمثل إنتاج الهيدروجين النقي أحد المسارات الواعدة لإنتاج وقود منخفض الانبعاثات، مع تزايد الاهتمام عالميًا بتطوير تقنيات جديدة للاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.
وفي هذا السياق، تبرز الطاقة الشمسية المركزة بوصفها تقنية واعدة لتوفير درجات الحرارة المرتفعة اللازمة لبعض عمليات إنتاج الهيدروجين، ولا سيما عملية التحلل الحراري للميثان.
وفي هذا الإطار، استعرض خبير الطاقة وعلوم المواد العراقي والاستشاري لدى شركة الأساليب المبتكرة في فيينا بالنمسا الدكتور رزاق حميد، خلال ندوة بعنوان “إنتاج الهيدروجين النقي باستعمال قدرة الطاقة الشمسية المركزة”، إمكانات توظيف الطاقة الشمسية المركزة في إنتاج الهيدروجين، إلى جانب التطورات المرتبطة بالتحلل الحراري للميثان.
وأبرزت الندوة الافتراضية -التي تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- أن هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة في ظل السباق العالمي لتطوير إنتاج الهيدروجين ومختلف مسارات الطاقة منخفضة الانبعاثات.
استغلال الطاقة الشمسية المركزة
يقول الخبير رزاق حميد إن الإشعاع القادم من الشمس يمثل جزءًا من طيف كهرومغناطيسي واسع، إلا أن الجزء المهم في تطبيقات تحويل الطاقة الشمسية يقع تقريبًا ضمن نطاق الأطوال الموجية من 400 إلى 700 نانومتر.
وأوضح أن التقنيات الحديثة لا تقتصر على التقاط الإشعاع الشمسي وتحويله مباشرة إلى كهرباء، وإنما تشمل كذلك تقنيات تركيز الطاقة الشمسية (Concentrated Solar Energy)، التي تعتمد على استعمال العدسات أو المرايا لتجميع الأشعة وتوجيهها نحو نقطة محددة تُعرف بالبؤرة.
وأضاف أن المرايا المكافئة (Parabolic Mirrors) تعد من أبرز تطبيقات هذه التقنية، إذ يمكنها نظريًا تجميع الأشعة الشمسية المتوازية في نقطة بؤرية واحدة، بما يؤدي إلى رفع مستوى تركيز الطاقة والحرارة بصورة كبيرة.
وأشار إلى أن التطبيق العملي يواجه تحديات تتعلق بالانحرافات البصرية واختلاف الزوايا والأطوال الموجية، وهو ما قد يؤدي إلى تشتت جزء من الأشعة بدلًا من تجمعها بصورة مثالية، ما دفع إلى تطوير تصميمات وتقنيات متعددة لتحسين كفاءة تركيز الإشعاع الشمسي.
ولفت حميد إلى أن من بين هذه التقنيات تقنية فريسنل (Fresnel Technology)، إلى جانب الأنظمة التي تعتمد على مجموعات كبيرة من المرايا لتوجيه الإشعاع الشمسي نحو مستقبل مركزي، أو ما يعرف بأبراج الطاقة الشمسية (Solar Towers).
وأوضح أن أبراج الطاقة الشمسية تمثل تطورًا من الاعتماد على مرآة واحدة وبؤرة واحدة إلى استعمال أعداد كبيرة من المرايا التي توجه الأشعة نحو نقطة استقبال مركزية، عادة ما تكون في أعلى البرج، بما يسمح بتحقيق مستويات مرتفعة من تركيز الطاقة الشمسية.
مشروعات عربية
أشار خبير الطاقة وعلوم المواد إلى وجود تطبيقات بارزة لهذه التقنية في المنطقة العربية، من بينها مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في الإمارات، الذي يضم مشروع نور للطاقة 1 (Noor Energy 1)، إلى جانب مشروعات أخرى تعتمد على تقنيات الطاقة الشمسية المركزة.
وأوضح أن مصر كذلك لديها تطبيقات تعتمد على نماذج مختلفة، من بينها مشروع المحطة الشمسية الحرارية المتكاملة ذات الدورة المركبة (Integrated Solar Combined Cycle)، التي تجمع بين الطاقة الشمسية ومصادر أخرى لتوليد الكهرباء.
وأبرز أن الفكرة الأساسية لأنظمة الطاقة الشمسية المركزة تقوم على تجميع الإشعاع الشمسي باستعمال المرايا وتوجيهه نحو نقطة مركزية، إذ تتحول الطاقة إلى حرارة يمكن استعمالها مباشرة أو تخزينها في بعض الأنظمة بواسطة الأملاح المنصهرة (Molten Salt).
وتؤدي الأملاح المنصهرة دورًا مهمًا في تخزين الحرارة، إذ يمكن الاستفادة من الطاقة الحرارية المخزنة في تسخين المياه وإنتاج البخار، الذي يستعمل لاحقًا لتشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء.
إنتاج الهيدروجين النقي
انتقل حميد إلى إحدى التقنيات الحديثة لإنتاج الهيدروجين، وهي التحلل الحراري للميثان (Methane Pyrolysis)، الذي يعتمد على تفكيك جزيء الميثان (CH₄) إلى مكوناته الأساسية، الهيدروجين والكربون.
وأوضح أن هذه التقنية لا تنتج ثاني أكسيد الكربون بوصفه ناتجًا مباشرًا للعملية، إذ يمكن فصل الهيدروجين عن الكربون الصلب، ما يجعلها من المسارات التي تحظى باهتمام متزايد ضمن أبحاث إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات.
وأشار إلى أن الأبحاث الحالية تركز على تطوير مفاعلات متخصصة يمكن من خلالها إدخال الميثان وإجراء عملية التفكك الحراري بكفاءة، ومن أبرزها مفاعلات الطبقة المميعة (Fluidized Bed Reactors)، وهي تقنية مستعملة منذ أعوام في عدد من التطبيقات الصناعية، ومنها عمليات تكرير النفط.
وأوضح أن المبدأ الأساسي لهذه المفاعلات يقوم على تعريض الميثان لدرجات حرارة مرتفعة، ما يؤدي إلى تحلله، مع تجمع الكربون الصلب داخل المفاعل أو على الأسطح والوسط المستعمل، في حين يخرج الهيدروجين بصورة منفصلة.
وتتجه التطورات الحديثة، بحسب حميد، إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية المركزة لتوفير الحرارة المطلوبة للتحلل الحراري للميثان، بدلًا من الاعتماد الكامل على السخانات الكهربائية، وهو ما قد يساعد على خفض الانبعاثات المرتبطة بالطاقة المستعملة في العملية.
وبيّن أن أبراج الطاقة الشمسية المركزة يمكن أن توفر بصورة طبيعية درجات حرارة تتراوح بين 600 و700 درجة مئوية، وقد تصل إلى نحو 1000 درجة مئوية باستعمال تقنيات أكثر تقدمًا في تركيز الطاقة، ما يجعلها مصدرًا واعدًا للحرارة اللازمة لتشغيل مفاعلات التحلل الحراري للميثان.
تجارب وتحديات
لفت حميد إلى أن بعض التجارب اعتمدت على تقنيات أخرى لتوفير الطاقة اللازمة للمفاعل، من بينها حقن البلازما (Plasma Injection)، في حين اتجهت تجارب أخرى إلى استعمال المحفزات الكيميائية (Catalysts)، التي تساعد على تحسين معدل تحويل الميثان وخفض درجة الحرارة المطلوبة لتفكيكه.
وأشار إلى أن عددًا من الشركات ومراكز الأبحاث العالمية يعمل على تطوير استعمال الطاقة الشمسية في التحلل الحراري للميثان، ومن بينها شركة مونوليث الأميركية (Monolith)، وشركة باسف الألمانية (BASF)، وإكسون موبيل (ExxonMobil)، إلى جانب تجارب استعملت مصابيح التنجستن (Tungsten Lamps) لمحاكاة الطاقة الشمسية المركزة وتوجيهها إلى المفاعل.
وأوضح أن أحد التصورات المهمة يتمثل في استبدال مستقبل الطاقة الحرارية في أبراج الطاقة الشمسية بالمفاعل المستعمل في عملية التحلل الحراري للميثان، بدلًا من استعمال الأملاح المنصهرة وسيطًا لتخزين الحرارة، إذ تُوجه الطاقة الشمسية المركزة مباشرة إلى المفاعل لإنتاج الهيدروجين والكربون.

وأضاف أن تطبيقات استعمال الطاقة الشمسية مباشرة في التحلل الحراري للميثان ما تزال محدودة، مشيرًا إلى وجود تجارب تطبيقية في نيجيريا يمكن خلالها الاستفادة من الميثان المصاحب لعمليات استخراج النفط وتوجيهه إلى أنظمة تعمل بالطاقة الشمسية لإنتاج الهيدروجين والكربون.
وفي المقابل، أكد أن معظم التجارب في الدول المتقدمة ما تزال في مراحل البحث والتطوير أو التطبيقات المختبرية وشبه التجريبية، ولم تنتقل على نطاق واسع إلى إنشاء مجمعات صناعية متكاملة، نتيجة ارتفاع الاستثمارات المطلوبة والحاجة إلى إثبات كفاءة العملية وسلامتها على نطاق تجاري.
مقومات مهمة
أكد حميد أن المنطقة العربية تمتلك مقومات مهمة لتطوير هذه التقنية، ولا سيما مع توافر مصادر الطاقة الشمسية والمواد الأولية اللازمة للعملية، ما يفتح المجال أمام إجراء أبحاث محلية لتطوير مسارات إنتاج الهيدروجين النقي منخفض الانبعاثات.
وأوضح أن بعض مشروعات الطاقة الشمسية المركزة الحالية تعتمد على الأملاح المنصهرة لتخزين الحرارة، إلا أن درجات الحرارة التي يمكن الوصول إليها باستعمال بعض هذه الأملاح قد لا تكون مثالية للتحلل الحراري للميثان.
وأشار إلى أن أملاح الكلوريد (Chlorides) تمثل أحد البدائل الواعدة، إذ تبدأ بعض أنواعها في التحول إلى الحالة المنصهرة عند درجات حرارة مرتفعة، ويمكن تشغيل النظام في نطاق يتراوح تقريبًا بين 700 و900 درجة مئوية، وهو نطاق مناسب لعملية التحلل الحراري للميثان.
واقترح أن يكون كلوريد الصوديوم (Sodium Chloride)، أو ملح الطعام، من المواد التي تستحق الدراسة في هذا المجال، نظرًا إلى وفرته الكبيرة في المنطقة العربية، بما قد يساعد على خفض تكلفة المواد المستعملة في منظومة إنتاج الهيدروجين.
وأوضح حميد أن استعمال كلوريد الصوديوم المنصهر يواجه تحديًا رئيسًا يتمثل في احتمالات تآكل مواد المفاعل (Corrosion)، خصوصًا عند التعامل معه عند درجات الحرارة المرتفعة وفي الحالة السائلة.
ويمكن التعامل مع هذا التحدي من خلال تطبيق تقنيات متقدمة في علوم المواد، من بينها استعمال طبقات حماية أو تغليف داخلي للمفاعل (Cladding)، إذ تكون طبقة التغليف هي التي تتلامس مباشرة مع كلوريد الصوديوم بدلًا من مادة المفاعل الأساسية. بحسب حميد.
وأشار إلى إمكان استعمال مواد سيراميكية عازلة وغير متفاعلة مع كلوريد الصوديوم لتوفير طبقة حماية للمفاعل، بما يقلل تأثير التآكل ويطيل العمر التشغيلي للمعدات.
وأكد أن المحفزات الكيميائية يمكن أن تمثل مسارًا آخر لتحسين العملية، إذ تساعد على خفض درجة الحرارة اللازمة لتفكك جزيء الميثان، ومن ثم تقليل متطلبات الطاقة وتحسين كفاءة إنتاج الهيدروجين والكربون.
مسار بحثي واعد
اختتم حميد حديثه بالإشارة إلى أن الجمع بين الطاقة الشمسية المركزة والتحلل الحراري للميثان وعلوم المواد والمحفزات يمثل مجالًا بحثيًا واعدًا للمنطقة العربية، خصوصًا مع توافر الطاقة الشمسية والميثان والمواد اللازمة.
وقد يتيح هذا التكامل تطوير مسارات جديدة لإنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات، مع الاستفادة من الكربون الصلب الناتج بدلًا من إطلاقه في صورة ثاني أكسيد الكربون، في وقت تتواصل فيه جهود تطوير الهيدروجين ومختلف تقنيات الوقود النظيف.
ومن شأن تطوير هذه التقنيات، بالتوازي مع التوسع في مشروعات الهيدروجين والطاقة المتجددة، أن يعزز فرص المنطقة العربية في بناء سلاسل قيمة محلية للوقود النظيف، ولا سيما إذا نجحت الأبحاث في خفض تكاليف المعدات والمواد وتحسين كفاءة التشغيل على النطاق التجاري.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..